Thursday, August 8, 2019

إرهاب يطل برأسه عبر سارية العلم




إرهاب يطل برأسه عبر سارية العلم
لقد أدى العمل الإرهابي الجبان الذي تعرضت له القنصلية الأمريكية في جدة قبل أيام الى مصرع عدد من المواطنين والمقيمين وهي عملية إرهابية بكل المقاييس , وهو تأكيد من جديد على أن المجرمين لا يراعون حرمة دين ولا وطن ولانفس بريئة وقبل ذلك حرمة المقدسات الإسلامية .
ولقد تعاملت قوات الأمن مع الحادث بكل ثقة وتصدت للإرهابيين وقتلت بعضهم وأسرت البعض الآخر وهذا مصير وجزاء كل من تسول له نفسه زعزعة أمن وإستقرار هذه البلاد الغالية على نفوسنا جميعاً وكان إقتحام القنصلية الأمريكية بمحافظة جدة دلالة قوية على العجز التام واليأس الذي يشعر به الإرهابيين والفئة الضالة .
وتعتبر العملية فاشلة بكل المقاييس وإلا فما فائدة إنزال العلم عن ساريته لبضع ساعات وما الفائدة من بث الرعب في قلوب المواطنين والمقيمين والمستأمنين وأهل الذمة وما الفائدة من إستغلال بعض الثغرات الأمنية عند دخول سيارة تابعة للقنصلية الى مبنى السفارة ليقوموا بعملية إنتحارية .
ومن المعروف أن الدين الإسلامي الحنيف يحرم الإنتحار بكل أشكاله فقد أضروا بلادهم وأنفسهم ومن سلبيات هذا العمل بث نوع من العداء بين الأمم في الوقت الذي نحن بأشد الحاجة لتوحيد الصف والتكاتف لتغيير الصورة الذهنية السلبية عن المسلمين ولاسيما أن المسلمين أصحاب حق ودعاة سلام .
الكل يعلم أن حراس هذه المنشآت هم من أبناء الوطن وقتل أبناء الوطن يعتبر من المحرمات والدم الوطني غالي يجب أن نحرص عليه لا أن نفرط فيه , وما ذنب الموظفين الذين يؤدون أعمالهم داخل القنصلية والمراجعين من المواطنين والمقيمين الراغبين في الحصول على تأشيرات دخول للولايات المتحدة الأمريكية لغرض الدراسة أو العلاج أو القيام بأعمال تجارية تخدم مصالح الوطن ؟
إن إستمرار وجود أعمال إرهابية يدل على إستمرار وجود فئة ضالة تحمل فكراً منحرف ينبغي تقويمة ومقاومته بكل الوسائل المتاحة حتى لايعتقد أصحاب هذا الفكر المنحرف أنهم حققوا أدنى مكسب , ومن الطبيعي أن تقوم السلطات الأمنية بالتعامل معهم بكل جدية وحزم ومهنية لحصار الإرهابيين والقضاء عليهم .
والسؤال ماهو ذنب القتلى والمصابين من هذا العمل الإجرامي والإرهابي ؟ إن الإرهابي الذي يقوم بمثل هذا العمل الجبان يثير الرعب في نفوس الناس ويؤدي الى إرباك وتعطيل الأعمال التي نحن بأشد الحاجة اليها لنبني هذا الوطن ونعطي صورة حسنة عن الإسلام والمسلمين .
لقد أربك هؤلاء الإرهابيين حياة الناس في منطقة الحادث وخصوصاً المستشفيات رغم أن هناك مرضى هم بأمس الحاجة الى العلاج والخدمات الطبية وهو نوع من العبث , لإشاعة الفوضى وإضاعة لوقت العاملين الذين يؤدون واجبهم تجاه الوطن والمواطن والمقيم وبهذا العمل أيضاً لم يسلم المرضى من الآثار السلبية السيئة نتيجة لما قامت به هذا الفئة الضالة .
إن إشاعة الفوضى والذعر في محيط القنصلية الأمريكية والمباني المجاورة لها من مدارس أطفال ومستشفيات هو الإرهاب بعينه , وماهو ذنب أكثر من ألفي طالب وطالبة من الأطفال في مختلف المراحل التعليمية الذين كانوا يرتعشون خوفاً ويتصببون عرقاً من هول ما رأوا وقيام أولياء أمورهم بسرعة الحضور للمكان لإجلاء أطفالهم إنه مشهد درامي حقيقي  .
إن إلقاء المتفجرات على أي جزء من تراب الوطن هو محاربة للوطن وإفساد في الأرض فمتى تعود هذه الفئة الضالة الى رشدها وتعمل لخدمة الوطن وبناءه وليس تدميره إن الأموال التي تنفقها الفئة الضالة على شراء السلاح لايخدم إلا مصالح أعداء الأمة وأهل هذه الفئة وعائلاتهم أحوج الى المال الذي ينفق في طرق غير مشروعة .
إن إحراق المباني أيضاً هو خسارة للوطن ونوع من الأعمال الإرهابية فهو ملك للمواطن أو للدولة فالإعتداء على أملاك المواطنين وأملاك الدولة نوع من الأعمال التخريبية وإن الإعتداء على بشر موجودين في الموقع أي كان جنسهم أو لونهم أو دينهم هو إعتداء على النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق .
ومما يدل على قصور فكر هؤلاء الإرهابين أن يتم إقتحام قنصلية تبلغ مساحتها أكثر من مائة الف متر مربع وهم نفر قليلون للقيام بأعمال شريرة ضد ممتكات الوطن مما يدل على أنهم يلقون بأيديهم الى التهلكة التي نص عليها القرآن الكريم { و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } .
إن مثل هذه الأعمال لن ترهب البعثات الدبلوماسية ولن يؤثر على سير حياتهم صحيح أنهم شعروا بالحزن مما رأوا وسمعوا ولكنهم أكدوا على أن مثل هذه الأعمال تضر بالإسلام ، وتلك هي الحقيقة الغائبة عن أذهان من يقوم بمثل هذه الأعمال حتى الآن بإسم الدين , وأكدوا أيضاً أن العديد من الأجانب المقيمين على أرض السلام والإسلام من أفراد الجاليات الأجنبية إعتنق الإسلام وهي مفخرة لبلاد المسلمين .
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ماهو السبيل الى تغيير فكر هؤلاء الشرذمة الضالة المنحرفة  ؟
وهنا ينبغي حث رجال الفكر والمثقفين ورجال الدين أن يستمروا في جهودهم للمساهمة في تغيير هذا الفكر الضال المنحرف . وأن المتعاطفين مع هذا الفئة الضالة ينبغي التصدي لهم بكل قوة وحزم فهم يسيئون الى الإسلام والأمة كلها قبل ان يسيئوا الى أنفسهم .
وينبغي على وكالات الأنباء والفضائيات الإخبارية التي تتناقل الأحداث أن تكون موضوعية في نشر الأخبار وأن تتوثق من المعلومات التي تحصل عليها حتى لاتخدم أهداف هذه الفئة الضالة .
ويرى بعض المحللين السياسيين أن مثل هذه العمليات الهدف منها هو ضرب العلاقات السعودية الأمريكية ولكن وعي القيادتين في البلدين يفوت الفرص على هذه الجماعات مما يزيد التعاون بين البلدين للقضاء على الإرهاب.
إن مثل هذه العملية وإن كان تأثيرها محدوداً إلا أنها ألقت بظلالها على أسعار النفط الذي إرتفع في بورصتي لندن ونيويورك وصعدت الى أكثر من دولار فهذا له أثاره السلبية على الإقتصاد العالمي وبالتالي يستطيع أعداء الأمة من تأجيج حدة الصراع ضد المسلمين في كل مكان والذين أصبحوا ضحية من غير ذنب إقترفوه .
وأخيراً ينبغي أن نشيد بسرعة تعامل قوات الأمن السعودية مع الفئة الضالة , وإن السيطرة على العملية في بدايتها لهو شهادة لرجل الأمن الذي يضحي بروحه ودمه لخدمة هذا الوطن وإن إلقاء القبض على أي من هذه الفئة الضالة سيمكن السلطات المختصة من التعرف على من يقومون بالتخطيط ويتزعم هذه الجماعات وهو بداية الطريق في سبيل القضاء عليهم بإذن الله لأنها زعامات مفلسة مازالت تحقد على البلاد وأهلها وقادتها المخلصين . وإن كان هذا الهجوم الجبان يؤكد أنه مازال علينا القيام بالعديد من الأعمال ونحتاج الى سنوات للسيطرة على هذه الجماعات , رغم أن الأوضاع في تحسن مستمر في سبيل القضاء على هذه الفئة الضالة الباغية حتى ترى الحق وتتوب الى الله أو تقتل أو تنفى من الأرض . وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

مصطفى بن محمد غريب
المملكة العربية السعودية – الرياض 

إجماعان ينتجان لجوءاً ... وفوضى



إجماعان ينتجان لجوءاً ... وفوضى
لندن – مصطفى الغريب      الحياة     2005/03/16

ان التطبيع يخدم مصلحة اسرائيل الاقتصادية، والتوطين يحل عقد اللاجئين النفسية والاقتصادية. فمن يقول «لا للتوطين» لا يقدم برنامجاً بديلاً لتخفيف المعاناة عن أبناء المخيمات. ولا نزال ابناء المخيمات يحدوهم أمل العودة منذ العام 1948. ولكن اصبح لا امل لهم بالعودة قريباً بعدما انفرط عقد جامعة الدول العربية الذي كانت تزين به صدرها. هذا العقد كان يحتوي ثلاث حبات من اللؤلؤ عرفت بـ»اللاءات الثلاث»: «لا صلح، ولا تفاوض، ولا اعتراف». وهو ما يعرف بنتائج مؤتمر الخرطوم. اما نتائج مؤتمر الجزائر، من المتوقع ان تكون نتائجه «نعم» ثلاث مرات: «نعم للصلح، ونعم للتفاوض، ونعم للاعتراف»، ليتناسب مع زمن الهرولة الجديد. اما على الصعيد الفلسطيني فستبقى «اللاءات الثلاث» من اهم نتائجه: «لا للتوطين، لا للدعم، لا للمقاومة» وتعليل اللاءات الثلاث ان التوطين يحل ازمات ابناء المخيمات، وكل من يدعم فلسطين هو في محل تهمة دعم الارهاب، وخيار السلام هو وقف المقاومة. فاسرائيل وأميركا وكل العالم الغربي والمنطق المقلوب يقول المقاومة والسلام لا يجتمعان.

(...) ان مشروع الدولة الفلسطينية بحد ذاته لا يتناقض مع مشروع «الشرق الاوسط الجديد»، اذا تم على قاعدة «اندماج» دولة اسرائيل في المحيط العربي، لا على قاعدة الانسحاب الاسرائيلي من الضفة والقطاع من دون قيد او شرط. وهو المطلب الاساسي للانتفاضة الثانية. لا بل ان الدولة الفلسطينية، ضمن سياق مشروع «الشرق الاوسط الجديد»، تصبح المدخل الطبيعي للتغلغل الاسرائيلي في المنطقة العربية. وأما ما يتعلق باستراتيجيات تعزيز الديموقراطية في الدول العربية فهو من منطلق استراتيجيات صهيونية لتعزيز حكم الغالبية. وسياسة اسرائيل في الحرب والسلام يجب ان تتوجه نحو التخلص من الفلسطينيين عبر الاردن، ونقل الحكم للغالبية الفلسطينية هناك. وتغيير النظام شرق النهر يحل مشكلة المناطق، المكتظة بالسكان غرب النهر، فيكون الاردن لهم، والمناطق غرب النهر لليهود.

والحقيقة ان مجرد الاعتراف بحق الدولة اليهودية بالوجود يترك مشكلة اللاجئين من دون حل. وهناك شبه اجماع صهيوني على هذا الموقف، والغريب هو الاجماع العربي على عدم التوطين باللاءات الثلاث: «لا للتوطين، لا للدعم، لا للمقاومة». ومن الخيارات المطروحة لحل مشكلة اللاجئين مشروع التوطين. لكن التوطين بالنسبة الى بلد مثل الاردن يفتح الباب لتسلل مشروع الوطن البديل، ويفجر النزعات الاقليمية، ويهدد أمن واستقرار البلاد والنظام، على حد سواء. ويصر لبنان على رفض التوطين لاعتبارات مماثلة، على رغم كونها اقل وطأة في الاردن منها في لبنان، بسبب ارتفاع نسبة الفلسطينيين في الاردن من السكان على أضعاف مثيلها في لبنان.





أحداث العنف في فرنسا (الحلقة الرابعة)


أحداث العنف في فرنسا (الحلقة الرابعة)
في هذه الحلقة من أحداث العنف في فرنسا نتابع ماقدمناه في الحلقة السابقة بعد إيجاز سريع لأهم النقاط أدناه : بعض الوزراء يحتقر المهاجرين ويحاول تطبيق سياسات لترحيلهم وإبعادهم عن البلاد , أحداث العنف قد تؤدي الى حرب أهلية , أخطاء الحكومة بعدم تبني سياسات دمج المهاجرين في المجتمع وإهمال أبناءهم دون تعليم ودون عمل ودون مأوى وهي تتشدق بالحرية والديموقراطية والعدالة الإجتماعية .
ونتابع أيضاً أن هناك تهميش للجيل الثالث والرابع من أبناء المهاجرين بتبني سياسة التمييز العنصري والكيل بمكيالين , ولاتلقي بالاً للبطالة , ولاتعمل على محاربة الفقر والجهل والمرض , ولاتعمل على التكافل الإجتماعي , إقرار رئيس الحكومة بالتمييز مما حرمها من كفاءات مهمة , ومن ينظر الى الأحداث بنظرة ثاقبة يتضح له أن ما يحدث في الضواحي والمدن بأنها أعمال تضر بالممتلكات ، ولكن هذا لايعني تجاهل المشاكل التي تعاني منها تلك الضواحي المهمشة نتيجة غياب مؤسسات الدولة والمرافق الفاعلة مثل المعاهد الكبرى والمؤسسات التعليمية المتخصصة .
وفي هذه الحلقة سنركز على الأحداث الجارية بعد المظاهرات التي عمت فرنسا إعتراضاً على "قانون العمل الجديد" الذي جاء توقيته سيء الطالع على فرنسا ولاسيما أنها بدأت تفكر في تبني إستراتيجيات الإندماج وإقامة البرامج إقتصادية والثقافية والإجتماعية والدينية وإصدار قوانين جديدة ترسخ العدل والمساواة بين طبقات المجتمع وترسيخ مباديء التعايش السلمي بين هذه الطبقات بعد الأحداث الدامية في إنتفاضة الفقراء قبل عدة شهور .
ولكن بدلاً من وضع سياسة إصلاح شاملة في مناهج التعليم لتعمق أواصر الوحدة وإنصهار الثقافات ومبدا قبول الطرف الآخر وعدم التمييز بكل أشكاله , ومعالجة الخلل في التوزيع السكاني وما أن هدأت الأحداث مالبثت أن إشتعلت من جديد وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على السياسات الخاطئة التي مازالت ترتكب فالوزراء الفرنسيون لم يعودوا قادرين على فهم مايحدث من تدهور أمني .
وإذا كانت الشرارة الأولى لإنتفاضة الفقراء إنطلقت من الضواحي إلا أن الجذوة مازالت مشتعلة لأن ذلك يدل بكل تأكيد على الموقف الإجتماعي السيء الذي يعيشه الشباب على وجه التحديد فهو مازال يعاني من البطالة وعدم إحترام الهوية الشخصية وإذا كان الوضع المتفجر مازال قائماً فلماذا إصرار الحكومة على تبني قوانين جديدة للعمل من شأنها أن تؤجج المشاعر الملتهبة والنفوس المتوترة .
مما سبق أعلاه يعتبر سبب مهم أدى الى تظاهرات حاشدة ومصادمات مع الشرطة في قلب باريس والتي شارك فيها مئات الآلاف من الموظفين وطلاب الجامعات والمدارس مطالبين بإلغاء القانون المسمى "عقد الوظيفة الأولى" وهذا أيضاً أدى الى توحيد جهود النقابات العمالية وأحزاب اليسار المعارض ومنظمات طلاب الجامعات والمدارس الثانوية جهودها في المدن الفرنسية ضد القانون الذي يسمح بفصل الموظفين الجدد الذين تقل أعمارهم عن 26 عاما خلال أول عامين من عملهم بدون أي مبرر.

ولابد أن تتخوف السلطات الفرنسية من أن تتحول هذه التظاهرات إلى أعمال عنف مماثلة لما شهدته ضواحي باريس منذ عدة شهور , فبعض الوزراء يلعب بالنار لأغراض إنتخابية وفي مثل هذه الحالة ليس أمام دوفيلبان سوى سحب "عقد الوظيفة الأولى" , و"الإصغاء لمنطق العقل" .   

أما الرئيس جاك شيراك فهو في وضع لايحسد عليه خصوصاً قرب إنتهاء ولاية عهده فهو يدعوا إلى الهدوء ويحث مختلف الأطراف إلى فتح الحوار , رغم تعالي الأصوات المنتقدة له ولغيره حتى من داخل حزب رئيس الحكومة "دوفليبان" والذي مازال يتمسك ب "القانون الجديد" ويدافع عنه بالقول إنه يتيح محاربة البطالة ولكن المتوقع هو إذا تراجع رئيس الحكومة عن ذلك القانون فسوف يقضي ذلك على مستقبله السياسي وعلى مستقبل حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية الذي يتزعمه وزير الداخلية نيكولا ساركوزي وهو مرشح محتمل آخر في الانتخابات , وهناك تراجع في شعبية الحكومة أظهره إستطلاع للرأي بنسبة 68% من الفرنسيين يوافقون على المطالبة بسحب "القانون الجديد" , ما أعطى هذا النزاع زخما لشعبية الحزب الاشتراكي المعارض الذي أضعفته الانقسامات .

وتسعى هذه التظاهرة التي تدعمها عشرة أحزاب يسارية كالحزب الاشتراكي إلى حشد عدد أكبر من المتظاهرين وهي تأتي إحتجاجا على "نظام التعاقد الجديد" الذي سيتيح لأرباب العمل إنهاء خدمة أي شاب وشابة يتم توظيفهما للمرة الأولى من دون تقديم أي تبرير.

ومابين رأي المؤيدين والمعارضين يبقى إحساس الشبان بعدم الأمان وهو مايبقي جذوة العنف مشتعلة وقد تغير مسار مصير فرنسا بأكمله ولا سيما أن الطلاب مازالوا مضربين في ثلثي جامعات البلاد التي يبلغ عددها 84 جامعة , وفي عشرات الثانويات كما لا يزال التوتر قائما في ظل عدم نية دوفيلبان التراجع عن موقفه وحاول بعض الوزراء وقف المعارضة المتزايدة لنظام "التعاقد الجديد" باستخدام لهجة استرضائية, وقال أحدهم إنه لن يكون ممكنا فصل العامل دون مبرر بموجب هذا القانون رغم ما يقوله المعارضون من أنه سيخلق جيلا من العمال الذين يمكن الاستغناء عنهم.
وقال وزير الداخلية نيكولا ساركوزي "إن معظم الطلبة احتجوا بشكل سلمي ملقيا باللائمة في العنف على مجموعة صغيرة من قطاع الطرق الراغبين في وقوع مصادمات على حد قوله" ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد القول إن هذا الوزير هو الذي اتخذ نهجا متشددا ضد مثيري الشغب في الضواحي العام الماضي ويعزى له سبب إشتعال إنتفاضة الفقراء بسبب الألفاظ النابية التي أطلقها ضد المهاجرين سكان الضواحي .

كما أن أصحاب العمل يبدون مشاعر متباينة بشأن "قانون التعاقد الجديد" الذي يأمل البعض أن يؤدي إلى تحسن الحياة في ضواحي باريس الفقيرة التي تعرضت الى أحداث عنف حيث أشعل شبان غاضبون بسبب التفرقة أو تصريحات وزير الداخلية آلاف السيارات العام الماضي وحيث تصل نسبة البطالة بينهم إلى 50%.  

وهنا نتوجه الى جميع الأطراف بالحوار الهاديء حتى لاتضيع مكتسبات فرنسا وفي نفس الوقت نوجه الدعوة الى بعض الدول العربية التي تنتهج نفس أسلوب فرنسا وسياساتها ضد المهاجرين بالعمل سريعاً على تغيير تلك الأنظمة والقوانين حتى لاتقع أعمال عنف لاتحمد عقباها , ووضع سياسة إصلاح شاملة في مناهج التعليم وفي العلاج وقوانين الجنسية لتعمق أواصر الوحدة وإنصهار الثقافات ومبدا قبول الطرف الآخر وعدم التمييز بكل أشكاله , ومعالجة الخلل في التوزيع السكاني فهناك فئات كثيرة مظلومة في المجتمع العربي والضغوط مازالت عليها مستمرة الأمر الذي سيؤدي حتماً الى إنفجارها وخروجها من عقالها وتذكروا دوماً الجذوة المشتعلة .     

مصطفى بن محمد غريب
الينوي  – شيكاغو    
صحيفة الحقائق اللندنية 20-03-2006م

أحداث العنف في فرنسا (الحلقة الثالثة)



أحداث العنف في فرنسا (الحلقة الثالثة)
في هذه الحلقة من أحداث العنف في فرنسا نتابع ماقدمناه في الحلقة السابقة بعد إيجاز سريع لأهم النقاط أدناه : تجربة ينبغي أن تستفيد منها الدول , بعض المخاوف من إنتقال موجة العنف الى دول أخرى , العمل على تعديل القوانين التي تحد من إنتشار أعمال العنف , علاقة أحداث سبتمبر بما يجري في فرنسا , الحملات المستمرة ضد الإسلام , الفشل في التعددية , الجماعات المهاجرة وإنخراطها في المجتمعات , مدى الصعوبة في دمج الثقافات , فكرة إنشاء مرجعيات دينية وماترتب عليها , الحرب على الفقر وعلاقته بالأحداث , الآثار السلبية والإيجابية لأعمال العنف , ضرورة صياغة سياسة أمنية أوروبية موحدة لمواجهة التحديات .

ويمكن تقسيم توجهات وسياسات بعض أعضاء الحكومة الفرنسية الحالية الى نوعين من التوجهات بعضها منظور والبعض الآخر غير منظور أما التوجهات المنظورة فهي تطهير فرنسا من المهاجرين ومايتبع ذلك من ترحيل وسجن وإعتقال الخارجين عن القانون أما التوجهات غير المنظورة وهي تطهير بعض الأحياء من العصابات وتطهير بعض الأحياء من الفقراء .

بعض الوزراء يحتقر المهاجرين ويحاول تطبيق سياسات لترحيلهم وإبعادهم عن البلاد وهي عنصرية بغيضة إذا ماقتلت في مهدها قد تكون مقدمة لحرب أهلية واسعة النطاق ليس في فرنسا فحسب بل قد تشمل القارة الأوروبية بأكملها , كما أن هناك أخطاء أرتكبت من قبل الحكومة بعدم تبني سياسات دمج المهاجرين في المجتمع وكذلك إهمال أبناءهم دون تعليم ودون عمل ودون مأوى وهي تتشدق بالحرية والديموقراطية والعدالة الإجتماعية.

على الرغم أن جيل الشباب الغاضب هم من الجيل الثالث والجيل الرابع من أبناء المهاجرين فقد جرى تهميشهم وهذه جاهلية القرن الواحد والعشرين التي تتبنى سياسة التمييز العنصري والكيل بمكيالين ولاتلقي بالاً للبطالة ولاتعمل على محاربة الفقر والجهل والمرض على مستوى العالم أجمع بحجة الإيمان بإختلاف الطبقات بين البشر دون المساعدة على تبني سياسة التقارب والتعاون والتكافل الإجتماعي .

أقر رئيس الحكومة الفرنسية بالتمييز وقال أن هذا التمييز حرم فرنسا من كفاءات مهمة كما ويغذي الشعور بعدم الإنتماء للمجتمع لهذا تبنى طرح مبادرات إقتصادية وإجتماعية من شأنها تحسين أوضاع الضواحي الفقيرة وأكد الرئيس الفرنسي على ذلك بالقول لابد من إنشاء منشآت ذات طابع رياضي وإنشاء منشآت ذات طابع ثقافي ولكن أولوياتنا أن نعيد النظام والقانون وهذا يحتاج الى وقت.

بعد الأحداث إتضح أن تحسين أوضاع جميع الضواحي الفقيرة التي تبين أن الحكومة كانت مقصرة في ذلك أيما تقصير ولهذا طلبت الحكومة مزيداً من الوقت لتبذل مزيداً من الجهد وبدأت تطالب الجميع بالعمل على مبدأ التسامح الديني والإجتماعي وبدأت تتبنى سياسات لمكافحة كل أنواع التفرقة .  

وعودة الى المهاجرين نجد أنهم من جماعات وأصول وجنسيات وديانات مختلفة فمنهم ذوي الأصول العربية سواء كانت مغاربية أوغيرها  أو من ذوي اصول إسلامية أو إفريقية التي كانت مستعمرات فرنسية سابقة وما أثار المشكلة حقاً هو تصريحات وزير الداخلية الذي وصفهم بالحثالة  وهنا يتبادر الى الذهن السؤال التالي , هل المهاجرين مرتبطين بالبلد الأصل ؟  إن الإرتباط لابد منه ولهذا دعا رجب طيب أردوغان الأتراك المقيمين في فرنسا عدم المشاركة في أعمال العنف وكذلك دعا د.يوسف القرضاوي المسلمين بعدم المشاركة في أعمال العنف وحث على التفاهم لحل المشكلات ومعالجة أسبابها الحقيقية .

ومن ينظر الى الأحداث بنظرة ثاقبة يتضح له أن ما يحدث في الضواحي والمدن بأنها أعمال تخريبية وإجرامية لا تستند إلى مرجعية دينية أو سياسية أو فلسفية ، ولكن هذا لايعني تجاهل المشاكل التي تعاني منها الضواحي المهمشة نتيجة غياب مؤسسات الدولة والمرافق الفاعلة مثل المعاهد الكبرى والمؤسسات التعليمية المتخصصة , ولذا نستشهد بما قاله رومانو برودي زعيم المعارضة الإيطالية :"لدينا أكبركانتونات أجنبية في محيط العاصمة الإيطالية، وهي عرضة  للانفجار في أقرب وقت" .

من الطبيعي عندما تحدث الأزمات تزيد التكهنات والإحتمالات والأطراف العديدة التي تريد أن تستغل الأحداث لصالحها ولهذا لا نستبعد محاولات البعض من الربط بين أعمال الشغب والإرهاب والبعض الآخر يركز على الأخطاء الحكومية لأغراض إنتخابية وكثيرة هي الفئات التي تحاول أن تستغل الأحداث لصالحها رغم تفاوت ردود الأفعال إزاء اضطرابات الضواحي بين متفهم لأسباب الانفجار في أوساط أبناء المهاجرين وبين مطالب بتبني الخيار الأمني .  

لايمكن أن نختم الحديث عن أحداث العنف في فرنسا دون أن نتطرق الى إستراتيجيات الإندماج وما تحتاجه من ميزانيات ضخمة وبرامج إقتصادية وبرامج ثقافية وبرامج إجتماعية وبرامج دينية وقوانين جديدة ترسخ العدل والمساواة بين طبقات المجتمع ورسم سياسات جديدة تساعد على الإندماج والإنخراط في مجتمع واحد متعدد الثقافات على الأرض الواحدة وترسيخ مباديء التعايش السلمي بين هذه الطبقات كما ينبغي وضع سياسة إصلاح شاملة في مناهج التعليم لتعمق أواصر الوحدة وإنصهار الثقافات ومبدا قبول الطرف الآخر وعدم التمييز بكل أشكاله .   

كذلك لابد من الحديث عن معالجة الخلل في التوزيع السكاني وتحسين العلاقة مع الجاليات الأجنبية على الرغم من أنها تتطلب وقتا وخططا ومناهج تربوية بعيدة المدى، وأن تحرص هذه الخطط على تبني سياسة عدم إبعاد الطلبة الأجانب بل تحرض على دمجهم حتى يتم الإنصار الكامل في المجتمع وتتلاشى الفوارق الطبقية في العرق والجنس واللون والدين.  

بعد أن هدأت الأحداث صدرت العديد من التقارير التي إستبعدت وجود أي تورط للإسلاميين في الاضطرابات التي شهدتها الضواحي الفرنسية خلال ثلاثة أسابيع ، وتم التأكيد في هذه التقارير على أن الأحداث كانت شكلا من أشكال التمرد غير المنظم مع إنبثاق ثورة شعبية بدون زعامة ولا برنامج بشكل محدود في عدد من الأحياء كرد فعل لبعض التصريحات .  

وركزت بعض التقارير على أن شبان الأحياء الشعبية كان لديهم إحساس كبير بالانتماء إلى هوية لا تستند فقط إلى أصولهم العرقية أو الجغرافية بل أيضا لأوضاعهم الاجتماعية المهمشة في المجتمع الفرنسي التي كانت منشغلة كثيرا بتنامي "التيار الإسلامي والإرهاب" إلى حد أنها أهملت مشكلة الضواحي المعقدة كما أقر وزير الداخلية بوجود "عنصرية وتمييز وانعدام المساواة"، لكنه أكد أنه لن يكون من الممكن النهوض بالضواحي "طالما تهيمن عليها المافيات".

السياسة الفرنسية الداخلية مطالبة بمواجهة الواقع القائم على الأرض وعدم غض الطرف، فالفرنسيون لم يعودوا قادرين على فهم ما يحدث من تدهور أمني , فقد إنطلقت الشرارة الأولى لأحداث الضواحي من كلمات غير موزونة قالها وزير ووصف بها الأحداث الجارية التي تعبر في حقيقة الأمر عن موقف إجتماعي سيئ لأن الشباب يعاني من البطالة والرسوب الدراسي وعدم احترام هويته وشخصيته، فتفجر كل ذلك وأخذ في الانتشار من ضاحية واحدة إلى كل ضواحي باريس ثم إلى مدن أخرى .

وكانت لجنة مكافحة التعذيب التابعة للأمم المتحدة قد وصفت قرار فرنسا ترحيل الأجانب المدانين بالتورط في أحداث العنف التي شهدتها الضواحي الباريسية بأنه إجراء تمييزي، وطالبت بعدم استخدام الترحيل كإجراء عقابي واعتبرت أن إجراء الطرد "تمييزا" لأنه لا يستهدف فقط الأجانب الذين لا يحظون بوضع إداري شرعي وإنما يستهدف أيضا "فرنسيين حصلوا على الجنسية الفرنسية وجردوا منها بقرار قضائي وأجانب مقيمين بشكل شرعي في فرنسا .

مصطفى بن محمد غريب 
الينوي - شيكاغو 

صحيفة الحقائق اللندنية 09-12-2005م

أحداث العنف في فرنسا (الحلقة الثانية)



أحداث العنف في فرنسا (الحلقة الثانية)
في هذه الحلقة من أحداث العنف في فرنسا نتابع ماقدمناه في الحلقة السابقة لنعطي الموضوع مايستحق من ذكر العوامل التي لها علاقة بالأحداث سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وسنبدا بالعناصر التالية :  

جرس إنذار
إن من فضل الله على الناس أنه يجعلهم يستقوا الدروس والعبر من أنفسهم ومن غيرهم  ليتعلموا من تجاربهم وتجارب الآخرين لتكون وقاية لهم من أحداث قد تكون أكبر مستقبلاً وأيضاً وقاية لباقي دول العالم لمن يريد أن يعتبر فهي تجربة يجب أن تأخذها الحكومات بعين الإعتبار بالدرس والتحليل وأخذ العظة من تلك التجربة المريرة .

ومن باب أولى أن تأخذ العبرة من هذا الدرس هي الحكومة الفرنسية وأن تعيد حساباتها وقرراتها وهنا يتبادر الى الذهن السؤال التالي هل فرنسا كانت أفضل الموجود بالنسبة لمثيري الشغب فيها ؟ أم أن هناك قصور يجب عليها تلافيه ؟ وهل الحكومة الفرنسية تتحمل المسؤولية عن الأحداث ؟ وإن كانت المسؤولية مشتركة بين الفاعل والمفعول به والمحرض على أعمال العنف وتصريحات بعض المسئولين .

وعبر عن ذلك رومانو برودي رئيس المفوضية الأوربية السابق في إطار مخاوفه من إنتقال موجة العنف الى الدول المجاورة حينما قال إن انتقال أعمال الشغب من فرنسا إلى الدول المجاورة ليس إلا مسألة وقت , أما في إيطاليا فقد إعتبر وزير الخارجية الإيطالي جان فرانكو فيني ، أن الوضع في ضواحي باريس "أخطر" من الوضع في إيطاليا، لأن هناك نزاعا اجتماعيا متأصلا في نزاع  إثني .

على العموم فإن هذا الدرس ينبغي أن يتم إستيعابه وتجارب بعض الدول تفيد بعضها الآخر وهذه الظاهرة بحاجة الى مزيد من الدراسة والبحث وأن يشارك فيها العديد من الخبراء وصناع القرار وأن يعمل الجميع على تعديل القوانين التي تحد من إنتشار وتفشي هذه الظاهرة التي بدأت تتغلغل في المجتمعات حتى لاتؤدي في النهاية الى حروب أهلية.

أحداث سبتمبر
إنه من الصواب أن نربط بين أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م التي هزت العالم وغيرت مساره وبين مايحدث في كل دول العالم بعد هذا الحدث الكبير , لأن هذا الحدث أثار نقمة أمريكا ودول العالم الغربي ضد المسلمين وتلاها الحرب على أفغانستان ثم الحرب على العراق ثم  الحرب على الإرهاب ثم الحملات الإعلامية ضد العديد من الدول الإسلامية ثم الخلاف الأممي في إنتزاع قرار بالحرب على العراق ثم الخلاف الفرنسي الأمريكي بشأن هذه الحرب ثم أحداث إرهابية في أسبانيا وفي بريطانيا وفي مصر والسعودية والمغرب وتركيا وأندونيسيا والعديد من دول العالم .

 ومن الحملات الغربية المستمرة ضد الإسلام والمسلمين أثارت العديد ممن يحملون بذور الإنتقام وكأن العالم دخل في دوامة عنف وعنف مضاد وإن إختلفت الوسائل المستخدمة في هذا العنف كل على طريقته وبقدراته وإمكانياته وبدأت الإعتقالات والمطاردات والإعلانات عن مطلوبين في عمليات إرهابية وتعاون العديد من الجهات الإستخبارية للقبض على المطلوبين في جميع دول العالم , وإتخذت إجراءات إحترازية  ومنها تأشيرات الدخول الى الدول المختلفة ونظام البصمات الإلكترونية المرتبط بالصورة .

الفشل في التعددية 
رغم أن دول أوروبا أفضل بكثير من الدول العربية في تسهيل عملية الإندماج والتعايش السلمي بين المواطنين إلا أنه لا زال هناك قصوراً واضحاً في العديد من الدول الأوروبية وتم الإعتراف بهذه الأخطاء من قبل العديد من قادة الدول الغربية وبدأوا بالفعل في دراسة وتطبيق عملية الإندماج وخصوصاً بعد صدور كتب عن صراع الحضارات وصراع الأديان ونهاية التاريخ وأقيمت المؤتمرات عن تسامح الأديان وصدرت عنها توصيات وبدأت بعض الدول في تعديل مناهجها الدراسية سعياً منها في كبح جماح الإرهاب والتخفيف من نقمة الغرب عليها .

وأقيمت العديد من المؤتمرات والإجتماعات الرسمية بين الدول للحد من الهجرة وإصدار قوانين تتلائم مع الطبيعة الديموغرافية لهذه الدول وعدلت قوانين الجنسية في عدد آخر من الدول كل ذلك من أجل الحد من تهميش الجماعات المهاجرة وإنخراطها في المجتمعات التي تؤوي إليها وبدأت بعض الدول تدرك معنى المساواة الكاملة بين البشر إلا أن البعض الآخر لازالت الأمور فيها تسير ببطء شديد لأن تغيير ثقافات المجتمعات تحتاج الى وقت كبير وتجارب دامية كالتي حدثت في فرنسا وقد سبقتها ألمانيا قبل عدة أعوام عندما ظهر النازيون الجدد أما بالنسبة لفرنسا فقد حذر الرئيس الفرنسي جاك شيراك من جماعات فرنسية عنصرية قبل عدة أشهر في بلاده إلا أنه لم يتمكن من تعديل القوانين وإصدار قوانين صارمة بهذا الشأن حتى إستفحلت المشكلة ثم إنفجر الوضع هناك .

ويطمع المهاجرون في المساواة الكاملة إلا أن بعض الكتاب والمثقفين لايؤمن بذلك ومن هنا تنشأ العنصرية بين البشر كما كانت العنصرية بين السود والبيض في أمريكا حتى صدرت قوانين بعد أحداث دامية منعت جميع أشكال التمييز العنصري وإستقر الوضع هناك . 

وهناك بعض الأمور يصعب التحكم فيها مثل دمج الثقافات بين المجتمعات فهناك جماعات المهاجرين تجلب معها عاداتها وتقاليدها وثقافتها أيضاً وحتى يتم الإندماج تحتاج الى وقت طويل فهذه الجماعات تؤثر وتتأثر وذلك لأن سرعة إستجابة البشر للتغيير تختلف فيما بينهم . كما نجد أن التغيير يطال حتى الشكل المعماري فهناك في فرنسا وفي بعض الأحياء وكأنك في إحدى الدول المغاربية كما أن في بريطانيا في بعض الأحياء تجد نفسك وكأنك في الهند أو الباكستان  مثلاً .

وتختلف طبيعة البشر من حيث إحترامها للنظام فمن أتى من دول لاتحترم النظام فإنه بطبيعته لن يحترم النظام إلا بعد أن يعتاد عليه أو يطبق بحقه هذا النظام فعندها يدرك مدى أهمية تطبيق النظام , ومما تقدم ندرك لماذا يكون هناك فشل في التعددية .

فكرة إنشاء مرجعيات دينية
بعض أصحاب القرار في فرنسا يدعم فكرة إنشاء مرجعيات دينية من أجل إحكام السيطرة عليها من خلال قادتها وزعماءها إلا أن الجماعات الأصولية إستغلت هذا الدعم لصالحها لقدرتها على تحريك الناس وإنقلب السحر على الساحر ولهذا السبب تحذر العديد من الجماعات الإسلامية من الإنحياز وراء الحملات الإنتخابية التي تحاول إكتساب التصويت في الإنتخابات لصالحها وإن كانت الحكومة إستفادت من ذلك الوضع قليلاً إلا أن تلك الجماعات إستفادت أكثر , ولازال الشد والجذب في مدى تأثير تلك الجماعات في عملية إندماج المجتمع المسلم في فرنسا .

الحرب على الفقر
إذا كان الفقر أحد الأسباب المؤدية الى الإرهاب سواء بطريق مباشر أم غير مباشر فمن باب أولى أن نحارب الفقر أولاً , وما يحدث الآن في فرنسا وماهو مرجح حدوثه في باقي القارة الأوروبية هو  بمثابة جرس إنذار لجميع حكومات العالم بأن تتوحد في الحرب على الفقر كما توحدت الجهود في الحرب على الإرهاب وإذا كان الإرهاب لن ينتهي إلا بزوال مسبباته فمن باب أولى أن نحارب أسبابه ومن أهمها الفقر .
إن ما أنفق في الحرب على الإرهاب لو أستثمر جزء بسيط منه في الإنفاق على الفقراء لكان يكفي للملايين من الجائعين على الكرة الأرضية وكان يكفي لتوفير ملايين من فرص العمل للفقراء حول العالم , وإذا أطلق على مايحدث في فرنسا بثورة الفقراء فلماذا إنتظرنا حتى تحدث هذه الثورة التي إذا ما عولجت أسبابها فإنها حتماً ستودي الى آثار كارثية على فرنسا وعلى العالم أجمع , إنها كارثة لاتقل عن إعصار كاترينا الذي وحد العالم في التعاطف مع متضرري هذه الكارثة , فلماذا لم نسمع عن متعاطفين مع  الحكومة الفرنسية لمعالجة هذه الأزمة . 

الآثار السلبية لأعمال العنف
إن مايحدث في فرنسا كأي أعمال عنف أخرى لها آثار سلبية منها ماهو بعيد المدى ومنها ماهو قريب المدى كما ستؤدي الأحداث الى إزدياد حالة التفسخ في المجتمع إلا إذا عولجت الأسباب المؤدية لهذه الأعمال , كما ستكون هناك آثار كارثية على الإقتصاد الفرنسي , كما أنها تؤدي الى إضعاف النظام الأمني والإجتماعي والحضاري , إنه مأزق أمني وإجتماعي لايستهان به وجعلت دولة القانون على المحك فإما أن تخرج الحكومة منها بماء الوجه أو تستقيل ليخلفها حكومة قوية تحافظ على الأمن والنظام .

الآثار الإيجابية لأعمال العنف
بعد الإنتهاء من أعمال الشغب ستبدأ الحكومة على الفور في علاج الآثار وضخ أموال لإعادة إعمار ماخلفته هذه الأعمال من دمار , وسيتم تعويض المواطنين عن خسائرهم في محاولة لتصحيح الأوضاع وإندماج هؤلاء الشباب في العمل مما يدعم نمو الإقتصاد من جديد ليعالج الآثار الكارثية التي حدثت , وستكون هناك إستجابة من الجميع للتعايش السلمي بين طبقات المجتمع , وستكون تجربة جديدة لرسم سياسة إجتماعية تساعد على الإندماج والإنخراط في مجتمع واحد على الأرض الواحدة حتى لاتحدث أعمال عنف مرة أخرى.

وسوف تستفيد من هذه التجربة الدول الأوروبية المجاورة وتعمل على صياغة سياسة أمنية أوروبية موحدة  لمواجهة التحديات الداخلية وأعمال الشغب , وسوف تنشأ بعد ذلك حكومة قوية تواجه التيارات المتعصبة التي تسببت في الأحداث وسوف تقدمهم للعدالة ولانقصد بذلك الشباب الثائرين فقط وإنما أيضاً بعض المسؤولين الذين يصفون هذه الشريحة من المجتمع بالحثالة وسيتم حتماً القضاء على العصابات المنظمة .

مصطفى بن محمد غريب 
الينوي - شيكاغو 

صحيفة الحقائق اللندنية 17-11-2005م


أحداث العنف في فرنسا (الحلقة الأولى)



أحداث العنف في فرنسا (الحلقة الأولى)
عندما قررت الكتابة عن أحداث العنف الجارية حالياً في فرنسا بلغت بي الحيرة مبلغاً فمن أين أبدأ فالعلاقات متشابكة وحساسة ولهذا لن أستطيع إعطاء الموضوع حقه من التغطية إلا إذا تطرقت الى عدة أمور وإنني على يقين بأن العناصر التي سأقوم بتلخيصها ستكون ناقصة كأي عمل بشري ولكن ستسلط الضوء على الموضوع بشكل على الأقل أراه مقبول من وجهة نظري.

ويمكن تلخيص تلك العناصر بما يلي: السياسيون، أسباب الهجرة , انتفاضة الجائعين أو الفقراء , جرس إنذار ,  أحداث سبتمبر , الفشل في انتهاج التعددية العرقية والثقافية , آثار إيجابية , آثار سلبية , المرجعيات الدينية والثقافية , الحرب على الفقر بدلاً من الحرب على الإرهاب ,  توجهات وسياسات , إستراتيجيات الاندماج , نتائج متوقعة .

وكل عنصر من العناصر السالفة الذكر يندرج تحته العديد من النقاط وهي التي ستعطي انطباعات متابع للأحداث من بعيد ومن خلال نشرات الأخبار وتصريحات بعض المسؤولين وتعليقات النقاد من مختلف التخصصات والاتجاهات ونأمل أن نعطي القارئ فائدة وهي الهدف من وراء تلك الكتابات التي تحظى باهتمامي على أقل تقدير.  

السياسيون
تجاهلوا الحقائق على الأرض وهناك العديد من الأحياء داخل المدن تعاني من الفقر الشديد ولكن الإرادة السياسية للقادة الفرنسيين اهتمت بنشر مظاهر التحضر وكل أسباب النجاح في العاصمة والمدن الرئيسية فقط أما المناطق الأخرى فلم تحظ باهتمامهم ، وأدى هذا الفقر الى انتقاله من جيل الى جيل وبالتالي برز الجيل الثاني من أبناء المهاجرين الفقراء وغير المتعلمين في عقد الثمانينات ومعه كل التراكمات السلبية حتى انفجر الوضع وحدثت الأزمة .

كما أن هناك العديد من السياسيين نشروا مزيداً من الحقد والكراهية مثل الأحزاب اليمينية المتطرفة وطالبوا بمزيد من التشريعات التي تحد من الهجرة والتهجير والترحيل مما أدى الى احتقان الوضع ومن ثم يكون أكثر قابلية للانفجار .

وبحجة الحرب على الإرهاب بدأت بعض الأطراف السياسية بالمطالبة بإصدار قوانين جديدة ضد الإرهاب وربما انتقلت العدوى من بريطانيا بعد أحداث تفجيرات قطارات الأنفاق في يوليو الماضي الأمر الذي جعل الحكومة أن تتحفز وتستعد لمنع حدوث عمليات إرهابية داخل فرنسا ولاسيما أن التقارير الاستخبارية كانت تتوقع دائما عملاً إرهابياً على غرار الأعمال في اسبانيا وبريطانيا وبدأت تناقش سن قوانين لحماية فرنسا من آثار الإرهاب المدمرة.

كما نشط السياسيون من خلال وسائل الإعلام الغربية في الربط بين الإرهاب والإسلام وهو الذي جعل فرنسا تنادي بالإسلام الفرنسي ظناً منها أن الإسلام يمكن أقلمته بما يناسب كل إقليم أو دولة على حده، ولا شك أن فرنسا قامت بحملة واسعة بعد إصدار قانون منع الحجاب في المدارس ومنع أي مظاهر دينية كالقلنسوة اليهودية أو الشارة الهندية أو أي علامات دينية غير المسيحية متمثلة في الصليب أو الزي الخاص بالقساوسة والرهبان.    

ومن أجل تعزيز مواقف السياسيين الانتخابية ظهرت بعض الأطراف للحصول على أصوات أحزاب اليمين المتطرف بتصريحات وصفت سكان الأحياء الفقيرة بالحثالة ولهذا حذرت شخصيات إسلامية بارزة من توظيف أعمال العنف في الضواحي الفرنسية ومن ثم تدخلات المؤسسات الإسلامية كورقة انتخابية لصالح الأجنحة المتنافسة في السباق الرئاسي، كما حذرت بعض الشخصيات الإسلامية من توزع الولاءات بين المرشحين للانتخابات القادمة .

وعند بداية الأزمة طالب بعض الوزراء التصدي لأعمال العنف بقوة دون العمل على امتصاص موجة الغضب والعنف وبدلاً من استقالة وزير الداخلية والتضحية بوزير سياسياً ركبت الحكومة رأسها واستمرت في الاعتقال والمداهمة وفرض حظر التجول دون دراسة أسباب موجة العنف وبدأت تطلق تحذيرات ضد المهاجرين لدرجة أن أعمال العنف تزايدت وشملت مدن أخرى حتى تم إقرار قانون الطوارئ الذي عمل به في الخمسينات من القرن الماضي ولكن لمدة محدودة وليس كبعض الدول العربية التي عملت به أكثر من ربع قرن. 

ومنذ بداية الأحداث لم يظهر زعيم ذو كاريزما يستطيع أن يخفف من حدة الشعور بالغضب لدى الجماهير التي ملت من المظاهرات التي لم تكن تعطي نتائج إيجابية فأخذت على عاتقها نوع من الانتفاضة الشعبية العارمة بين صفوف الفقراء والمهاجرين، كما لم يقف وزير أو رئيس وزراء بإقرار التقصير في معالجة الفقر إلا بعد أن تطورت الأزمة لدرجة يصعب معها السيطرة حيث ان السيطرة في بداية الأزمة أسهل من السيطرة بعد استفحال أعمال الشغب .

أما السياسيون الذين طالبوا بمعاقبة الخارجين عن القانون تبنوا عبارات في ظاهرها الرحمة ومن باطنها سوء العذاب وهي عبارات حق أريد بها باطل، ففرنسا تعتبر من الدول المتقدمة ودولة القانون والديموقراطية من خلال صناديق الاقتراع والتي تنادي بمبادئ العدل والمساواة والحرية في كل مكان.

الهجرة والمهاجرين
تحظى فرنسا بعدد كبير من المهاجرين ومنذ عقود حتى أصبح الجيل الثاني والثالث لا يعرف له لغة غير الفرنسية ولا ثقافة غيرها حتى وإن كان يؤمن بديانات مختلفة ومن أهم أسباب الهجرة تعرض المهاجر الى الفقر في بلاده فيلجأ الى الهجرة لعله يجد فيها عملاً يقتات به أو قد يفر من الأنظمة القمعية في بلاده فيرى في النظام الغربي نوع من الحرية والديموقراطية فيستقر فيها على اعتبار أنها الجنة الموعودة فيقبل الذل والهوان على اساس أن شيء أفضل من لا شيء ويبقى يكدح ويعمل لتوفير لقمة العيش الكريم له ولأسرته .

ولكن ليس كل المهاجرين ممن يبحثون عن عمل أو مضطهدين في بلادهم ولكن منهم أيضاً من يهاجر هرباً من السلطات التي تبحث عنه لأنه من أصحاب السوابق أو من ارتكب جريمة ويريد أن يختفي بعيداً عن مسرح الجريمة , ولم يكن يعلم أن الهجرة لابد أن يتوفر لديه الاستعداد النفسي للاندماج في المجتمع  الجديد سواء كان من الأخيار أو من الأغيار , ويقبل في المجتمع بكل إيجابياته وسلبياته ويستقر فيه أو يفكر في العودة الى بلده الأصلي إذا لم يستطع الاندماج والتأقلم مع المجتمع الجديد ومن ثم ارتكاب جرائم جديدة بحق من آواه واحتضنه .     

انتفاضة الفقراء أو الجائعين
هذا هو الاسم الذي أطلق على مثيري أعمال الشغب في الضواحي والمدن الفرنسية ومعروف أن من قام بهذه الأعمال هم الشباب من الجيل الثالث والرابع أي بحكم القانون من المواطنين ولكن هؤلاء المواطنين تجمعهم أكثر من صفة وهي الفقر والجوع والبطالة والعزلة عن المجتمع الفرنسي الذي ولدوا وترعرعوا فيه ولكن لم يستطيعوا الاندماج الكامل فيه إما بسبب تمسكه بعادات الآباء والأجداد ومعظمهم من العرب وغالبيتهم من المغرب العربي التي كانت مستعمرات فرنسية سابقة أو من الدول العربية الفقيرة وإن كان منهم أفارقة غير عرب ومن أصول أخرى سواء إسلامية وغير إسلامية ولم تأخذ تلك الأحداث الطابع الديني لتكون فتنة طائفية بالمعنى الدقيق .

ومن أسباب عدم اندماجه الكامل هو تغاضي وتراخي السلطات الفرنسية عن الوعود التي كانت قد قطعتها على نفسها فبلغ السيل الزبى أو كما يقال القشة التي قصمت ظهر البعير فلم توفر لهم السكن المناسب والعمل المناسب ولم تتبنى إستراتيجيات الدمج في المجتمع الفرنسي من خلال بعض الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية , كما لم تقوم بتحسين المستوى المعيشي لهؤلاء الفقراء وكان من مواقفها اللامبالاة والتجاهل التام . 

ومن يحاول أن يدرس الظاهرة ومن يقف وراء الأحداث فقد يكون قريباً من معرفة السبب الحقيقي وقد يشطط في القول ولاسيما أن الأحداث مازالت مشتعلة ولم يتمكن العديد من صناع القرار والباحثين من معرفة الأسباب الحقيقية وتبقى كل الأطروحات في هذا المجال من باب التوقعات والتكهنات , فقد يكون الفقر هو السبب وقد تكون التصريحات العنصرية من بعض الوزراء وقد تكون هناك جهات خارجية تعمل على إذكاء الفتنة وإشعالها كما صرح بذلك المدعي العام الفرنسي إيف بوت فإعتبر أن أعمال العنف كانت منظمة دون أن يوضح الجهة التي تقف وراءها .

وهناك من تجرأ القول واعتبر أن أمريكا وراء تلك الأحداث وبسبب الخلاف الفرنسي الذي ظهر الى العلن أعقاب الحرب الأمريكية على العراق , وهناك من قال أن إسرائيل هي التي تقف وراء تلك الأحداث بسبب الخلاف الفرنسي الإسرائيلي أعقاب تصريحات شارون بدعوة يهود فرنسا بالعودة الى إسرائيل وفي أسرع وقت ممكن , والبعض يتهم القاعدة وخصوصاً من التصريحات التي كان يدلي بها زعماء التنظيم وهددوا وتوعدوا العديد من الدول وقد تكون هناك أسباب أخرى جديدة أو مجموعة من الأسباب السالفة الذكر .

ويخشى العديد من الخبراء أن تنتقل حمى الأحداث الى الدول الأوروبية المجاورة وإن بدت بوادر ذلك تظهر في أكثر من دولة أوروبية كما يخشى أيضاً من أن تنتقل العدوى الى سكان المخيمات الفلسطينية في كل من سوريا ولبنان والأردن على اعتبار أنها تعاني نفس الظروف وتتوفر لها نفس المعطيات وتلبية لدعوات تقول يا فقراء العالم اتحدوا لأن المصائب تجمعن المصابينا , وسوف نستكمل في مقال آخر باقي العناصر التي تحدثنا عنها في مقدمة المقال .
مصطفى بن محمد غريب
الينوي – شيكاغو
صحيفة الحقائق اللندنية 10-11-2005م


إجماعان ينتجان لجوءاً ... وفوضى




إجماعان ينتجان لجوءاً ... وفوضى

ان التطبيع يخدم مصلحة اسرائيل الاقتصادية، والتوطين يحل عقد اللاجئين النفسية والاقتصادية. فمن يقول «لا للتوطين» لا يقدم برنامجاً بديلاً لتخفيف المعاناة عن أبناء المخيمات. ولا نزال ابناء المخيمات يحدوهم أمل العودة منذ العام 1948. ولكن اصبح لا امل لهم بالعودة قريباً بعدما انفرط عقد جامعة الدول العربية الذي كانت تزين به صدرها. هذا العقد كان يحتوي ثلاث حبات من اللؤلؤ عرفت بـ»اللاءات الثلاث»: «لا صلح، ولا تفاوض، ولا اعتراف». وهو ما يعرف بنتائج مؤتمر الخرطوم. اما نتائج مؤتمر الجزائر، من المتوقع ان تكون نتائجه «نعم» ثلاث مرات: «نعم للصلح، ونعم للتفاوض، ونعم للاعتراف»، ليتناسب مع زمن الهرولة الجديد. اما على الصعيد الفلسطيني فستبقى «اللاءات الثلاث» من اهم نتائجه: «لا للتوطين، لا للدعم، لا للمقاومة» وتعليل اللاءات الثلاث ان التوطين يحل ازمات ابناء المخيمات، وكل من يدعم فلسطين هو في محل تهمة دعم الارهاب، وخيار السلام هو وقف المقاومة. فاسرائيل وأميركا وكل العالم الغربي والمنطق المقلوب يقول المقاومة والسلام لا يجتمعان.

(...) ان مشروع الدولة الفلسطينية بحد ذاته لا يتناقض مع مشروع «الشرق الاوسط الجديد»، اذا تم على قاعدة «اندماج» دولة اسرائيل في المحيط العربي، لا على قاعدة الانسحاب الاسرائيلي من الضفة والقطاع من دون قيد او شرط. وهو المطلب الاساسي للانتفاضة الثانية. لا بل ان الدولة الفلسطينية، ضمن سياق مشروع «الشرق الاوسط الجديد»، تصبح المدخل الطبيعي للتغلغل الاسرائيلي في المنطقة العربية. وأما ما يتعلق باستراتيجيات تعزيز الديموقراطية في الدول العربية فهو من منطلق استراتيجيات صهيونية لتعزيز حكم الغالبية. وسياسة اسرائيل في الحرب والسلام يجب ان تتوجه نحو التخلص من الفلسطينيين عبر الاردن، ونقل الحكم للغالبية الفلسطينية هناك. وتغيير النظام شرق النهر يحل مشكلة المناطق، المكتظة بالسكان غرب النهر، فيكون الاردن لهم، والمناطق غرب النهر لليهود.

والحقيقة ان مجرد الاعتراف بحق الدولة اليهودية بالوجود يترك مشكلة اللاجئين من دون حل. وهناك شبه اجماع صهيوني على هذا الموقف، والغريب هو الاجماع العربي على عدم التوطين باللاءات الثلاث: «لا للتوطين، لا للدعم، لا للمقاومة». ومن الخيارات المطروحة لحل مشكلة اللاجئين مشروع التوطين. لكن التوطين بالنسبة الى بلد مثل الاردن يفتح الباب لتسلل مشروع الوطن البديل، ويفجر النزعات الاقليمية، ويهدد أمن واستقرار البلاد والنظام، على حد سواء. ويصر لبنان على رفض التوطين لاعتبارات مماثلة، على رغم كونها اقل وطأة في الاردن منها في لبنان، بسبب ارتفاع نسبة الفلسطينيين في الاردن من السكان على أضعاف مثيلها في لبنان.

مصطفى بن محمد غريب 
المملكة المتحدة - لندن 
صحيفة الحياة     2005/03/16