Wednesday, November 4, 2015

فك الإرتباط والتنبؤات المستقبلية

فك الإرتباط والتنبؤات المستقبلية


فك الإرتباط والتنبؤات المستقبلية

تعقيباً على مقالنا المعنون ب"فك الإرتباط وإهمال المقدسات " إتضح لنا الحاجة الى المزيد من التحليل والدراسة لهذا الموضوع بعد أن نلخص أهم ماجاء في مقالنا السابق : إن الفلسطينيين حسب قرار الإرتباط والذين نزحوا من الضفة الغربية بفعل الإحتلال عام 1967م , هم مواطنون أحتلت أراضيهم الغربية فإنتقلوا إلى الشرقية، ومن حقهم المقاومة ضد الاحتلال كواجب وطني قومي عربي منسجم مع كونهم من أبناء الضفة الغربية رغم الدعوات الرسمية الأردنية المطالبة بضرورة الفصل التام بين المواطنة الأردنية وحق النضال الفلسطيني ضد الإحتلال الإسرائيلي .

إن التخلي عن كثير من المسؤوليات الوطنية والقومية تجاه الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وباقي الأراضي العربية ، وعدم تحمل قيام القوى الشعبية بها، إنما يمثل إنهزاماً والتخلي عن استحقاقاً عربياً بشكل عام ، إن أي مفاوضات مقبلة مع إسرائيل ينبغي أن يؤخذ رأي وموافقة أغلب مؤسسات المجتمع المدني المعنية وإستخدام الرأي العام عند الضرورة للتأثير على المفاوضات بما يخدم المواقف الوطنية , ومن هنا يأتي أهمية إعادة الإرتباط بين الضفتين والإتفاق مع باقي الدول العربية حتى لايتحمل الأردن وحده أي نتائج سلبية قد تحدث ، وبذلك يتضح أن هناك دلالات سياسية خطيرة لمطلب الحكومة الأردنية من قادة المقاومة والمقاومين بشكل عام للاختيار بين مواطنتهم وقيادتهم للمقاومة.

إن كل من يتحدث عن الإرتباط وفك الإرتباط ينبغي عليه أن يتذكر أن هدف الضم كان في حينه لتوسيع الرقعة الجغرافية التي تكون تحت سيطرة العرش الهاشمي ولهذا يجب أن يتحمل ملوك هذا العرش أي تبعات سياسية لاحقة , لا أن يأخذوا  مايريدون ويتركوا ما لا يريدون ! , لماذا ؟ , لأنها في الأصل مشروع شراكة لها في المكسب مثل ماعليها من الخسارة .

إن الوضع غير الصحيح القائم حالياً هو بمثابة قنبلة موقوتة قابلة للإنفجار يوماً ما , ولهذا يتوجب على الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني عدم إثارة أي خلافات أوإشكالات مع المواطنين الأردنيين من أصل فلسطيني، أو مع بقية أبناء الشعب الفلسطيني المتواجد على أراضي الضفة الشرقية وجاري إقصائهم عن الحياة السياسية ومنعهم من التمتع بحقوقهم المدنية والوطنية المشروعة ، كما أن القوى السياسية عليها أن لا تقف مكتوفة الأيدي على مايجري ضد المصلحة القومية الكبرى .

كما أن على الحكومة عدم الإنحياز لجانب قوة سياسية على حساب أخرى من القوى المناضلة، وأنه لا يزال بوسعها ممارسة موقفها المعتاد في الدعم السياسي العام والتعايش مع واقع التداخل في العلاقة، وعدم الاستجابة بالكلية للضغوط الخارجية التي ربما تهدد نسيج الأردن الاجتماعي، وتؤثر على علاقاته الداخلية والخارجية، وتضعه في مواجهة لا قبل له بها .

وأن يكون إعادة النظر في قرار فك الإرتباط بمثابة البحث الجاد عن مستقبل القضية العربية المركزية ، أرضاً وشعباً وحقوقاً من منطلق الدين والعقيدة والجغرافيا والديموغرافيا والحقوق الوطنية في ظل إستمرار الاستيطان وعزل القدس وحصارها وبناء الجدار العنصري العازل .

ومن يقرأ تاريخ القضية الفلسطينية يتضح له بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك أزمة فكر ورؤية عند أصحاب القرار في العالم العربي ومن ضمنها الأردن أو في السلطة ذات الرأسين أو في إسرائيل ذات الحزبين الرئيسيين أو التنظيمات التي بدأت تستجمع قواها في لبنان وأفغانستان وترى ضرورة مقاومة الضغوط القادمة من واشنطن على أصحاب القرار نظراً للإنحياز الأمريكي الواضح لإسرائيل .

إن قرار فك الإرتباط الأردني قد أضر بالقدس والمقدسات الإسلامية فيها بشكل كبير رغم ماقامت به المؤسسات الأردنية العامة والخاصة تجاه القدس , ولهذا نجد أن التبعات والخسائر كبيرة , وهذا يؤكد قصور الوعي العربي وعلى أعلى المستويات حين أتخذ قرار فك الإرتباط وبمباركة القمم العربية لصالح منظمة التحرير على أمل الخروج من مفاوضات أوسلوا بإتفاق يقضي بقيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف فقررت الأردن إستجابة للضغوط وعلى مضض التخلي عن المهام التي كانت تقوم بها ونقلت إستحقاقاتها الى منظمة التحرير الفلسطينية التي لم تقم بالدور المطلوب منها كدولة لحماية الشعب والمقدسات بل كانت ومازالت منظمة تعمل على المقاومة الشعبية .

وفي هذا المقال سنتابع البحث لتبعات القرار ومنها أن المستوطنات حول القدس ستفلت من قبضة الحل النهائي للمدينة المقدسة وأن الاحداث الأخيرة المتمثلة بشراء فندق إمبريال والبتراء والحوانيت على نفس الخط , الأمر الذي ساعد على تشجيع عملية النزوح وحرمان الفلسطينيين من أراضيهم ومياههم وحرية التنقل وغيرها .

إن الأردن عندما تخلى عن الضفة الغربية لصالح منظمة التحرير وعندما قام بتوقيع معاهدة وادي عربة منفرداً , أدى ذلك الى عدم قدرة القيادة الفلسطينية على تنفيذ الاتفاقات المبرمة مع الجانب الاسرائيلي وخصوصا قضايا الحل الدائم مثل اللاجئين والقدس والاستيطان والحدود والمياه وعدم القدرة على التوفيق بين متطلبات نهوض السلطة بمهمة بناء مؤسساتها المدنية والاقتصادية والأمنية في الضفة والقطاع مع متطلبات الحفاظ على وحدة مؤسسات منظمة التحرير كإطار وطني قيادي لكل الشعب وكافة القوى المتعارضة في مواقفها .

ومن التبعات أيضاً الآثار السلبية على العلاقات الاردنية الفلسطينية لعدم تنسيق المواقف بخصوص المفاوضات وتوقيع المعاهدات مع إسرائيل رغم العلاقة الجدلية المنسجمة تارة والمختلفة تارة اخرى والتي تعود الى عدة سنوات ولايمكن تجاهلها خصوصاً بعد أن رفضت منظمة التحرير مشروع المملكة المتحدة الذي طرحه الملك حسين عام 1972م .

كما ينبغي الإشارة الى ما يجري على الساحة الدولية من عدم إعتراف أمريكا واسرائيل بمنظمة التحرير ورفضها المؤتمر الدولي ومن ثم الخلاف بين الاردن والمنظمة حول قبول قرار 242 كمبدأ لتسوية القضية الفلسطينية الأمر الذي أدى الى الغاء اتفاقية عام 1986م , وبداية الانتفاضة عام 1987م , ومن ثم فك الارتباط بين فلسطين والاردن عام 1988م .

ومن يقرأ عن الكونفدرالية يدرك أنها مرتبطة إرتباطا عضويا بالصعوبات التي تواجه العملية السياسية وان هذا المشروع يتوقف على عدد من الأطروحات والحلول، الأول حكم ذاتي فلسطيني للسكان وليس للأرض وهذا هو طرح الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة والمتمثل بالفصل أحادي الجانب وثانيا بناء دولة فلسطينية مستقلة في غزة والضفة عاصمتها القدس وقيام كونفدرالية فلسطينية - اردنية وفقا للخيار الطوعي والحر للشعبين وبما أن هذا الخيار مرفوض أمريكياً وإسرائيلياً إلا من خلال الشروط التعجيزية التي تبدأ بمكافحة الارهاب والاصلاحات الداخلية.

ولاشك أن أي تسوية مستقبلية مع الطرف الاسرائيلي يجب ان تضمن ايجاد تواصل اقليمي جغرافي بين كافة ارجاء الوطن ودول الجوار سواء كانت مصر أو الأردن أو سوريا ولبنان وان أي مشروع مستقبلي مع الاردن والعمق العربي يجب ان يستند الى تحرير الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان وجنوب لبنان بما فيها مزارع شبعا وتلال كفر شوبا وأن يكون هذا إتفاق عام مبني على الإستقلالية وليس على التبعية والاستسلام .

ومن الإنصاف القول أن وضع الأردن بالغ التعقيد فمن ناحية هو ملتزم بمعاهدة وادي عربة ومن ناحية أخرى كيف له أن يلتزم بمساعدة الفلسطينيين في نضالهم من أجل الإستقلال ؟ , ورغم محاولات الأردن منذ فك الارتباط لدعم الموقف الفلسطيني ولكن دون الإنغماس في المشكلة الفلسطينية وخصوصاً بعد إتفاقية أوسلوا رغم إعتراضات بعض الأطراف العربية على ذلك .

ورغم تلك الإعتراضات فإن الأردن يحاول أن يحافظ على واقعه وحاضره ومستقبله ومصالحه رغم أن الاردن وفلسطين يرتبطان بعلاقات مصيرية رغم عدم التواصل والتفاعل الجيد بما لدى الأردن من مخاوف أمنية واقتصادية وديموغرافية بشكل يؤثر على العلاقة الفلسطينية الاردنية أو الأردنية الإسرائيلية فمن الصعب على الأردن أن يحتفظ بعلاقتين متناقضتين بتوازن .

إننا ونحن نصف الأحداث السياسية والعسكرية في المنطقة العربية إنما نصف أحداثاً عشناها ومؤامرات سبرنا غورها وعرفناها , وذقنا مرارتها واصطلينا بنارها ولكي يتمكن الجيل الجديد من الإطلاع عليها والذي لم يعشها ولم يعرف أسبابها ومراميها ولم يطلع على حقائقها وإنما مايعرفه عنها هو من خلال وسائل الإعلام التي وصفتها في حينها وجعلت من صانعيها أبطالاً يستحقون التصفيق والمناداة كما كان يقال بالروح بالدم نفديك يا ... !!!  وتجلى ذلك في أحد الملاسنات الكلامية بين بعض الزعماء العرب في أحد مؤتمرات القمة حين قال أحدهم للآخر إنت مين جابك للحكم .

وهذا يؤكد أيضاً المخططات الدولية التي تحاك ضد الأمتين العربية والإسلامية وللأسف أن تنفيذ تلك المخططات يتم بأيدي أبناءها سواء كانت عملاً سياسياً أو عسكريا ، ولهذا لن نجد ديموقراطية حقيقية في البلاد العربية تدعمها قوى غربية لأن ذلك يتناقض مع مصالح الدول الغربية والعلة هي ليس في قادة الدول وإنما في النظام القائم ولهذا نحن بحاجة الى التغيير في الأنظمة والقوانين  وليس في القادة أو الزعماء فأي زعيم لايعرف بكل ما يحدث في الدولة ولهذا عندما ندعوا لهم في المساجد تكون الدعوة بأن يقيض الله لهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الحق وتدلهم عليه .

ومما زاد الأمور تعقيداً بخصوص الإرتباط وفك الإرتباط هو هزيمة العرب في يونيو حزيران عام 1967م ، ونجم عن تلك الهزيمة تدفق مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى الأردن وهم سكان المخيمات , ورغم محاولات الملك حسين لتقديم مشروعه للسلام مع إسرائيل والذي عرف فيما بعد بمشروع النقاط الستة، وهو الذي تم إقتراحه في 10/4/1969م , أمام نادي الصحافة الوطني في واشنطن ، وذكر في ذلك اللقاء بأنه لا يطرحها باسمه فحسب وإنما أيضا باسم الرئيس المصري جمال عبد الناصر وبتفويض منه.

وتستند الخطة إلى قرار مجلس الأمن 242 الصادر في 22/11/1967م, وتهدف إلى إقامة سلام عادل ودائم على أساس انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حزيران 1967م , وتنفيذ جميع بنود قرار مجلس الأمن الأخرى.

وبعد إعلان الملك حسين مشروعه بيومين رفضته رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك غولدا مائير، وأصدرت معظم المنظمات الفدائية الفلسطينية بيانا مشتركا في 15/4/1969م , أعلنت فيه رفضها لمشروع السلام بعد أن رفضت إسرائيل قرار 242.

وبعد ذلك وقعت اشتباكات عنيفة بين الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية التي كانت تتخذ لها من الأردن قواعد عسكرية ومكاتب إدارية وسياسية وإعلامية عرفت باسم أحداث أيلول الأسود عام 1970م , وأدت إلى خروج المقاومة الفلسطينية المسلحة من الأردن إلى لبنان.

كما أعلن الملك حسين في 15/3/1972م , عن مشروع بإقامة المملكة العربية المتحدة، وذكر في ذلك المشروع أنه يعتزم تغيير اسم المملكة الأردنية الهاشمية إلى المملكة العربية المتحدة على أن تتكون من قطرين: الأول  فلسطين ويضم الضفة الغربية وأي أراض فلسطينية أخرى يتم تحريرها ويرغب أهلها في الانضمام إلى المملكة المقترحة، والثاني هو الأردن ويتكون من الضفة الشرقية.

وتكون عمان عاصمة مركزية للمملكة والقدس عاصمة لفلسطين. ورئيس الدولة هو الملك، ويتولى السلطة القضائية محكمة عليا مركزية وقوات مسلحة واحدة قائدها الأعلى هو الملك، ويتولى السلطة التنفيذية في كل قطر حاكم عام من أبناء القطر نفسه , وينتخب أهالي كل قطر مجلسا تشريعيا.

وقد رفضت منظمة التحرير الفلسطينية هذا المشروع واعتبرته مؤامرة تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، ومحاولة لسلب المنظمة أهليتها باعتبارها ممثلا للشعب الفلسطيني. وقد تميزت علاقة الملك حسين بمنظمة التحرير الفلسطينية بالتوتر، فلم يعترف بها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني كما نص قرار القمة العربية عام 1964م ، وظلت هذه الحالة حتى عام 1974م .

وأخيراً ، ورغم كل الخلافات فإن الشعب الواحد في الضفتين الشرقية والغربية سيبقى وفياً لقضاياه الوطنية والقومية ، ووفياً لأبناءه وقلعة عصية على التواطؤ والتآمر ولن يسمح بقيام بوابة لتمرير مخططات صهيونية أو صليبية وسيأتي اليوم الذي يتحقق فيه الحلم العربي الخاص بالإتحاد الكونفدرالي الأردني الفلسطيني الى واقع ملموس رغم كل المؤامرات والدعوات وسيسقط جدار الفصل العنصري في إسرائيل وتتلاشى الحدود الوهمية بين الضفتين كما سقط جدار برلين وستتوحد الضفتين كما توحدت الألمانيتين .

مصطفى بن محمد غريب
شيكاغو - الينوي 

متى ينتهي إرهاب المنتجعات السياحية؟4

متى ينتهي إرهاب المنتجعات السياحية؟4



متى ينتهي إرهاب المنتجعات السياحية ؟ (الحلقة الرابعة)
ذكرنا في "الحلقة الثالثة" بعض المعلومات التي يمكن تلخيصها في ما يلي : التعاون بين العديد من الدول لكشف الغموض الذي يكتنف حوادث الإرهاب , التفريق بين الإرهاب وبين المقاومة يسلتزم التعريف الدقيق لكل منهما, الوسائل غير المشروعة لايمكن أن تحقق أهدافاً مشروعة , تحكيم صوت العقل بدلاً من إرضاء غرور القادة , أشكال الهيمنة والسيطرة لن تقبل بها الشعوب , دراسة الأسباب المؤدية للإرهاب هي أفضل السبل لمعرفة كيف نحارب الإرهاب , مشاعر اليأس والإحباط والشعور بالقهر غالباً ماتؤدي الى العنف , إعادة النظر في التعاطي مع مشكلة الإرهاب , التمسك بمباديء العدل والمساواة بين البشر يخفف من حدة العنف , من يقوم بالإرهاب يتلقى الدعم من جماعات متنفذة ينبغي دراسة أوجه العلاقة بينها .
   
أما هنا في هذه "الحلقة الرابعة" سنقوم بالطرح لعوامل لم نذكرها من قبل وقد تكون ذات مغزى مختلف نوعاً ما , فهي تعتمد على أبحاث ودراسات وبالتحديد من جامعة شيكاغو فقد درس "البروفسور روبرت باب من جامعة شيكاغو 462 عملية انتحارية في محاولة للتعرف إلى الحوافز التي تحرك الانتحاريين, ناقضا الاعتقاد السائد بأن الانتحاريين يحركهم تعصب ديني , وقال"دهشت كثيرا لاكتشافي أن 95% من العمليات الانتحارية التي جرت منذ العام 1980م , وحتى اليوم لديها قاسم مشترك ليس الدين بل هدف واضح وإستراتيجي وهو إرغام ديمقراطية حديثة على سحب قواتها العسكرية من أراض يعتبرها الإرهابيون موطنهم الأم".

ونتائج الدراسة أثبتت بما لايدع للشك عدم صدق أقوال كثير من الزعماء السياسيين والعسكريين وفي كل المناسبات التي يتحدثون فيها عن الإرهاب وفي مقدمتهم الرئيس بوش الإبن الذي أعلنها حرباً صليبيةً على العرب والإسلام والمسلمين بدعوى محاربة الإرهاب ، وهذه الحرب جرى الإعداد لها قبل مجيء الرئيس بوش الإبن للحكم بزمن طويل ، في إطار ما يسمى بالإمبراطورية الأمريكية وهو مشروع يستهدف السيطرة والهيمنة على العالم وإقتصادياته ، وبمشاركة ودعم من المشروع الصهيوني الحالم الذي يطمح في الاستيلاء على أرض فلسطين التاريخية وصولاً لإقامة دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل ، بل وإقامة الدولة اليهودية العالمية التي خطط لها المؤتمر الصهيوني الذي عقد عام 1897م , في بازل بسويسرا .

كما أن هناك تأكيدات بحثية أيضاً من جامعة نيويورك هذه المرة وعلى لسان آلن زركين من مركز الاستعداد للكوارث في جامعة نيويورك حيث قال "إذا كان من الأكيد أن لا يتمكن الإرهابيون من كسب الحرب فأننا أيضا لا يمكننا ذلك".   

أما تأكيدات جامعة هارفارد فقد جاءت في دراسة بعنوان "هل حان الوقت للحديث مع القاعدة ؟" وقد جاءت هذه التأكيدات على لسان مساعد مدير برنامج الابحاث حول النزاعات السيد محمود محمدو الذي قال إن "التخطيط للمرحلة المقبلة من الرد الشامل على القاعدة يستوجب معرفة عدونا". كما أشار أيضاً أن جميع الرسائل الصوتية التي تبثها القنوات الفضائية عن زعماء القاعدة تطالب بوضوح وضع حد للتدخل الأمريكي في المنطقة بل ووجودها العسكري وكذلك دعمها المطلق للاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية وللانظمة الفاسدة والقمعية في العالم العربي والاسلامي".    

وهناك تأكيدات جاءت على لسان الاميرة "إيرينا" شقيقة الملكة الهولندية "بياتريكس" التي دعت الحكومات الغربية الى محاورة تنظيم "القاعدة" من خلال حديث لها في جريدة الشعب "فولكس كرانت" , وإعتبرت الأميرة أن التحدث إلى قادة هذا التنظيم يساعد في التعرف على وجهة نظرهم وسيغير صورة العداء التقليدية بينهم وبين دول الغرب , وأضافت أيضاً بالقول "اذا لم تقدم للاخر أي فرصة وتبقى تطلق احكاما عليه من وجهة نظرك فحسب فلن تغير شيئا أبدا" . وبررت "العنف الاسلامي" بأنه نتيجة للفقر والعلاقات الخاطئة والحواجز التجارية.

أما أطروحات مايكل شاور المدير السابق ل"وحدة بن لادن" في وكالة الاستخبارات المركزية (سي اي ايه) الذي ينتقد نهج ادارته السابقة , حيث قال في أحد محاضراته إن "الناشطين المسلمين (ومئات ملايين المسلمين غير الناشطين) يكرهون الولايات المتحدة بسبب ما نقوم به في العالم الاسلامي وليس بسبب مثلنا العليا الديموقراطية".

ومما سبق يمكننا القول إن النزعة العدوانية التي تتصف بها الإدارة الأمريكية ممثلة في اليمين المتطرف نحو العرب والإسلام والمسلمين ومحاولاتها الهيمنة على ثروات الدول ، قد لا تترك أمام الجماهير خياراً سوى خيار المقاومة المسلحة ، أو القيام بعمليات إرهابية والتي بدأت تستهدف المنتجعات السياحية والمنشآت النفطية وغيرها من مراكز الإقتصاد العالمي , وليس غريباً القول بأن الانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل ، والتأييد الأعمى لها خصوصاً بعد وصول حماس الى السلطة والمحاولات المتكررة لإفشال حكومتها بتجفيف مصادر تمويلها وعدم دفع رواتب موظفيها .

وهنا نقدم نصيحة لقادة حماس بالقول إذا كنتم غير قادرين على دفع رواتب موظفي الدولة وتنتظرونها من الدول المانحة فلا بد لكم من أن تقبلوا شروطهم , أما إذا كانت شروطهم لاتتماشى مع أهدافكم ففي هذه الحالة يجب أن تقدموا الإستقالة ويفضل أن تحافظوا على شعار "حماس" حركة مقاومة إسلامية , والمقاومة كحركة ستلقى الدعم أما الحكومة كمقاومة فلن تجد دعماً إلا إذا وافقت على نبذ العنف وليس هناك دعماً في عالم السياسة غير مشروط .

ولنا في محاكمة الدكتور سامي العريان عبرة , الذي قضت محكمة أمريكية بسجنه أربع سنوات وتسعة شهور بتهمة تمويل "حركة الجهاد"  , فما بال من يقوم بتمويل "حركة حماس" ولاسيما أنها حركة مدرجة على قائمة الجماعات الإرهابية "من منظور غربي " , ومن يجرؤ على الدعم لحكومة ترأسها "حركة حماس" إلا بموافقة أمريكية وبطريقة مقننة ومدروسة , وإلا فالتهمة جاهزة والعقاب آتي لامحالة . 

وتذكروا , إن الرئيس بوش الإبن لن يتردد هو وإدارته في إتخاذ أي إجراء يرى فيه تعزيزاً لموقف إسرائيل وموقفه أيضاً من اعتبار منظمتي حماس والقاعدة وجهان لعملة واحدة إسمها "الإرهاب" وهما مسؤولتان عن العمليات الإرهابيـة التي جرت وتجري في مختلف أنحاء العالم ، ودعمه المستمر في حشد أكبر قدر من التأييـد العالمي لضربة وشيكة ومتوقعة لإيران من ناحية ، والقضاء على المنظمات العربية والإسلاميـة التي تعمل على مقاومـة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربيـة من ناحية أخرى .

وهل لنا أن نتسائل بالقول أليس الإرهابي هو إنسان أولاً وأخيرا ؟ له شخصية ووجدان ومشاعر وتصورات ثقافية خاصة تحتاج إلى سبر أغوارها ومحاولة فهم كيف تعمل ؟ ولماذا تفعل ذلك ؟  وهل الإرهابي يقوم بمحاولات لإيقاع الأذى بالغير ؟ أم أنها مشاعر وقائية لحماية الذات الجريحة والمهددة والمهانة ؟ .

ويمكن أن نتصور الإجابة تكمن , بإن الإنسان يحب ذاته حبا جما ويود أن يجد التقدير والحنو والاحترام من الآخرين وتتولد لدية آليات وقائية ودفاعية ضد عمليات التهميش والإهانة والظلم الذي يقع عليه والتي تسبب له جراحات عميقه في ذاته سواء كانت مشاعر الظلم والإهانة حقيقية أم وهمية لا وجود لها سوى في خياله المبدع الذي يضخم له تلك المشاعر السلبية في الخارطة الذهنية والمحفورة في الذاكرة التي تتعرض يومياً لضغوط كبرى من ضيق ذات اليد والتهميش لتزيد من الجرح النازف دماً والذي بالتأكيد يخلخل توازنات النفس البشرية السوية التي تبحث عن العدل والمساواة .

فيصبح هو الإنسان المقهور وذاته المغلوبة التي تشعر بالإنهزام والإهانة واليأس حيث تندفع عوامل نفسية كبيرة في ذاته لتتحول الى عمليات إرهابية إنتقامية كردة فعل أمام كل ما يقع عليها فالمشاعر السلبية المتضخمة تحتاج إلى عمليات تفريغ لتحقيق الراحة من كل الأحمال الذي تنوء به هذه النفس البشرية التي تشعر بالظلم وعدم العدل والمساواة .

فتنتمي الى أيديولوجية العنف والتطرف والبأس لتفرح بمشاهدة ضحاياها ودماءهم التي تسيل لتروي عطش حب الإنتقام عبر الإرهاب لتستقطب الضالين المهووسين، وتهمس في آذانهم وصدورهم ، لتحضهم على إرتكاب أكبر المعاصي الدينية جميعاً، بإسم الدين والجهاد في سبيل الله , وما من سبيل لوضع حد ونقطة نهاية لدائرة العنف الشريرة هذه، إلا سبيل واحد , هو إرساء مباديء العدل والمساواة بين البشر وإلحاق الخزي والعار بأيديولوجية الكراهية والحقد ، ونبذها باعتبارها سمة مخزية ووصمة عار في جبين مرتكبها أياً كان مذهبه الديني .

إن إلحاق الهزيمة بأيديولوجية الكراهية التي تعم العالم اليوم تأتي من قوة مباديء العدل والمساواة بين البشر ولنا في الفاروق عمر بن الخطاب أسوة حسنة والذي كان يتمتع الذمي في عهده بكفالة الدولة الإسلامية له عند العجز أو الفقر أو الشيخوخة وقولته المشهورة " فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم " وبدون هذا العدل ستتحول الكراهية الى ثأر تأريخي لرد المظالم الكبيرة التي تقع على الشعوب المقهورة وهو مايفسر ردة الفعل الشرسة والعدوانية لتختلط المفاهيم من جديد بين مفهوم المقاومة ومفهوم الإرهاب ومفهوم الحقوق المشروعة والمصالح الوطنية لنرى إستهداف المنتجعات السياحية كتعبير عن عدم الرضا بحجة ممارسة الممنوعات بإسم السياحة كإقامة الحفلات الليلية الخاصة على الشواطيء التي يمارس فيها الممنوع وغير المألوف الأمر الذي يبقي التساؤل قائماً متى ينتهي إرهاب المنتجعات ؟ .

مصطفى بن محمد غريب 
صحيفة إيلاف اللإكترونية 05-05-2006م

Tuesday, November 3, 2015

غزوة كوبنهاجن 6

غزوة كوبنهاجن 6


غزوة كوبنهاجن (الحلقة السادسة)

يبدوا أن العلاقات بين الغرب والشرق ستأخذ منعطفاً تاريخياً وجذرياً بعد قضية الرسومات الكاريكاتورية المسيئة للإسلام والتي نشرتها الصحيفة الدانماركية والتي سيدونها التاريخ في صفحات سجلاته .

وإستكمالاً للحلقات السابقة نود في البداية أن نستعرض أهم النقاط التي وردت في الحلقة الخامسة لنستكمل بعدها التفاعلات المستمرة ويمكن تلخيص أهم النقاط فيما يلي : نشر خبر إستطلاع للرأي في الدانمارك , المكابرة ومغالطة التاريخ , العنصرية البغيضة تبدأ من الغرب , تأخر الفاتيكان في الرد وأثرها على حوار الأديان , الجهود التي تقوم بها منظمة المؤتمر الإسلامي , دعوة الكاتب للإستفادة من دراسة الحالة , بداية حملة للتعريف بالإسلام والرسول الكريم , إعادة النظر في قوانين النشر , لمحة سريعة عن الدعوات المغرضة والتحذير من الدعوات التي قام بها عضو الكونجرس الأمريكي .  

 

الرسوم الكاريكاتورية وأثرها على الإقتصاد والسلم العالمي , المقاطعة ودورها في علاج الأزمة , أثر الرسوم الكاريكاتورية على الهجرة والمهاجرين الى الغرب ,  التنظيمات النازية وأثرها على المهاجرين , التحذير من إستفادة بعض الدول من هذه القضية وخصوصاً فيما يتعلق بالمعارضين السياسيين .  


وإستكمالاً لما سبق سوف نركز على أن الهدف الأساسي هو المطالبة بحقوق المسلمين المشروعة التي تكفلها لهم جميع الديانات السماوية، والقوانين الدولية العادلة التي تنص على احترام الأديان، وينبغي التفريق بوضوح بين حرية الرأي والتطاول على الرسل .

ولاسيما أن بعض الصحف الأخرى ألمانية وإسبانية وفرنسية وسويسرية وغيرها من دول أخرى , أعادت نشر الرسوم متذرعين بحرية الرأي حتى قالت إحدى الصحف أنه لاحصانة لأحد من التهكم في الغرب , حتى أن منظمة مراسلون بلا حدود دافعت عن نشر الرسوم، بالقول قد تبدو هذه المبادرة استفزازية, لكن أساسها مبرر بالكامل ولا تستحق في أي حال من الأحوال الاعتذار من أي كان .


حاولت الجالية الإسلامية ومعها السفارات العربية والإسلامية في الدنمارك تجاوز الأمر بالطريقة الأفضل وعبر القنوات الحكومية والدبلوماسية، إلا أن إعادة نشر الرسوم تعتبر بكل المقاييس عملا وقحا وشنيعا فيه تعدي على مشاعر المسلمين مع سبق الإصرار، وأن ذلك ما كان ليتم لولا قوانين النشر في يعض الدول الأوروبية التي لا تمنع ذلك ولا تحدده الأمر الذي يدعونا أن نطالب بتغيير قوانين النشر في تلك الدول وأن تتمسك منظمة المؤتمر الإسلامي بهذا الحق غير القابل للتنازل .

ولابد من الإشارة هنا الى وسائل الإعلام الصهونية ودروها في تأجيج الصراع بين الغرب والشرق من خلال تشويه صورة الإسلام والاستهزاء بالأنبياء والرسل ، بتغذية الحقد ، وماذا يعني أن يصف بعض الحاخامات المسلمين بأنهم أفاعي وحشرات، ومازالو يتطاولون على شخص رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وإن هذه الإساءات المتكررة سبََّبَها قادة الكراهية والشر في هذا العالم . 


وهذه الإساءات ليست جديدة في طابعها ومقصودها , فقد دأبت كثير من وسائل الإعلام على التعرض للإسلام والمسلمين والنيل من قدسية معانيه ونبل مبادئه العظيمة، ولا تزال تلك الوسائل تحتضن كل شاذ وضال ممن له تاريخ أسود حافل بالتطاول على الإسلام وعلى شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم والتربص بالإسلام والمسلمين , وتقدم لهم التسهيلات بحجة حرية الرأي وتشجيع الأعمال الفنية والأدبية .

وإن مايحدث من إستمرار التهجم على الإسلام والمسلمين يأتي ضمن سياق المفهوم الغربي لأيديولوجية "الخير والشر" التي تعتبر المسلمين شرا لا بد من إستمرار الحرب عليهم تحت أي ذريعة أوأي مسمى براق في ظاهرة ولكنه قاتم ينم عن حقد دفين في جوهره , وإن كان الخوف من الإسلام بعد سقوط الشيوعية هو الذي يدفع بعض الغربيين إلى النيل من شخص رسولنا الكريم .

ولم تكن الصحف الدانمركية والنرويجية الجهة الأولى في التهجم على الإسلام والمسلمين ، بل إنها تأتي في سياق زمني طويل بدأ بإصدار الدراسات التي تتهكم على النبي وأصحابه، والسخرية من عبادات المسلمين، وبث الأعمال الفنية والسينمائية التي تنتقد المسلمين، من خلال تشويه صورتهم لدى الرأي العام العالمي.

من الواضح أن هذا الأسلوب في الإساءة إلى المسلمين لدى بعض الكتاب ، غدت أقصر الطرق للشهرة ، ورفع حجم المبيعات، بدءا آيات شيطانية ومرورا بالاستهانة بلفظ الجلالة، وسلسلة طويلة من البذاءات ، وانتهاء بما أقدمت عليه الصحف الدانماركية والنرويجية وماتلاها .

ولعل البعض يتصور أن دور الموقف العربي والإسلامي في المقاطعة الإقتصادية للمنتجات الدانماركية والنرويجية سيضع حدا لهذا التطاول في العالم بأسره لعلهم يشعرون بمدى الجرم الذي قام به البعض منهم , وأن عليهم إحترام عموم المعتقدات والأديان السماوية ونحب أن نذكر بسؤال أين هؤلاء المتطاولون على الدين الإسلامي من كلمات الرسول الطيبة التي تدعو الى الرحمة والتعاون والسلام والعدل وكرامة الإنسان ؟ .

ونحن لانستغرب ماقامت به تلك الصحيفة وماتلاها من صحف ووسائل إعلام فكل ذلك مخطط مرسوم بدقة متناهية منذ الحروب الصليبية ولكن على مراحل وهذه المرحلة هي مرحلة دخول هذا المخطط إلى خطواته العملية والتنفيذية بدأت بعض ملامحها بالظهور ويقوم أساس هذا المخطط على الخطاب الإعلامي الذي أصبح يتسرب عن طريق صور ومعلومات وبطرق غير مباشرة لينتزعوا الأمة الإسلامية من واقعِها ويختطفونها من محيطِها ، يسهلُ التنظيرُ لها ، حتى لا تكونَ واقعاً عمليّا ملموسا ونحن نعيش في الغرب ونعلم ذلك تمام العلم .

ان المخطط الذي يستهدف القضاء على الإسلام والمسلمين مستمر وسنتعرض إلى الأسباب الحقيقية الكامنة وراءه والتي تكمن في قياس ردة فعل الشارع الإسلامي وراء نشر مثل هذه الصور كبالون إختبار للاستعداد رسميا والتهيؤ من اجل إطلاق مخططات كيدية تدميرية والتي نعرف أهدافها جيدا ومنها هدفان الأول ضد رسول الله عليه أفضل الصلوات والسلام والثاني تدمير الإسلام وأهله .


ولكن أخشى ما أخشاه أن يطول الصمت المطبق على عقول البعض من قادتنا وشيوخنا وعلمائنا لما يتعرض له الإسلام وأهله من مؤامرات ، حتى يعتادوا على ذلك ، فتخرج الأمور عن سيطرتهم فتقل هيبتهم ، فلا يُقبل منهم رأي ولا مشورة ولا فتوى ولا نصيحة، لأنّهم سكتوا والساكت عن الحق شيطان أخرس ، وكلنا ثقة في شعوب هذه الأمة . 

إن هذه القضية ليست بجديدة فالحرب على الإسلام بفكره ومنهجه ممثلة في شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم مستمرة ومستعرة وان كانت تأخذ أشكالا مختلفة , ولكن الله عزيز ذو إنتقام وسوف ينتقم لرسوله الذي ارسله للبشر كافة بشيراً ونذيراً .

وهناك رسومات ومغالطات تشوه الرسول ومنها على سبيل المثال : صورته مع عائشة وجبريل والبراق في كتاب دنماركي جديد لتستمر الإساءات وتنطلق من قلب الدنمارك تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويأتي كتاب `القرآن وحياة الرسول محمد` لمؤلفه كوري بلوتيكن ليشكل استهتاراً جديداً بمشاعر المسلمين بعد صدوره في 24/1/2006م. وعلى الرغم من الغضب الكبير الذي أنتجته الكاريكاتيرات الأولى التي نشرتها صحيفة `يولاند بوسطن` الدنماركية، في العالم الإسلامي. إلا أن الكاتب بلوتيكن أصر على تحدي المسلمين في كتابه الجديد المكون من 272 صفحة، مزودة برسومات تصور الرسول صلى الله عليه وسلم.

واللافت في الكتاب أن مؤلفه يدعي أنه موجه للأطفال، ولذلك زوّدوه بالرسومات التي تقدم تاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعتبر تلك الرسومات مرفوضة أصلاً في العقيدة الإسلامية ، لأنها تقدم تشويهاً للرسول صلى الله عليه وسلم، فإحداها على سبيل المثال تصوره وهو يتأمل تعذيب اليهود في المدينة المنورة وهم يتألمون، وأخرى له مع عائشة رضي الله عنها، وثالثة، تظهره على البراق في الإسراء والمعراج، ولم يكن البراق لدى الرسام والكاتب سوى حصان بجناحين ورأس امرأة، ورابعة، في غار حراء ويبدو فيها جبريل عليه السلام بجناحين أيضاً... وما إلى ذلك من رسومات هدفها تشويه صورته صلى الله عليه وسلم.

ويدعي الكاتب أنه استمد معلوماته من كتب ثقافية إسلامية من أجل سرد حياة محمد عليه الصلاة والسلام، غير أن واقع الحال ومحتويات الكتاب تؤكد أنه لم يفعل ذلك سوى لغاية التأثير على عقول الأطفال وتقديم صورة مسيئة للإسلام. فالأطفال عند قراءتهم لمثل كتابه لا يستطيعون التفريق بين الحقيقة التاريخية والخيال، وترسخ الصور بذاكرتهم وترسم الرؤية غير الصحيحة.

ويلاحظ أن محتوى الكتاب يتركز على آراء الكاتب الشخصية التي يظهر فيها الاتجاه العدائي للإسلام، إذ إنه لم يكن صادقاً في وصف الوقائع والأحداث التاريخية، ونجده يكتب بسخرية عن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها، ويحاول التأثير على عقول القراء في الغرب باختلاق روايات لا أساس لها من الصحة. وأمعن المؤلف في الإساءة حيث يصف الرسول صلى الله عليه وسلم، بأنه قاتل بدم بارد، ولا يحمل مروءة، وكتب ألفاظاً كثيرة أخرى لوضع الصفات السامية موضع الشك لدى الأطفال.

وقبل أن أودعكم أتسائل هل هناك علاقة ذات دلالة علمية أو دينية ستؤدي الى غزوة كوبنهاجن ؟  وهل ستكون من الداخل أم من الخارج ؟ .

مصطفى الغريب – شيكاغو

صحيفة الحقائق اللندنية 14-02-2006م




الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟

الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟



الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ ( الحلقة الخامسة )
 
ذكرنا في "الحلقة الرابعة " من الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ معلومات يمكن أن نلخصها في مايلي : قانون الطواريء وأثره على الأحداث , إتهام القاعدة وخلاياها , وجود تنظيم سري له أفكار جهادية , التشكيك في وطنية , وولاء بدو سيناء , وجهة نظر بدو سيناء بهذا التشكيك , تصريحات قامت على تفسير الثأر والربط بين المكان والسكان والحدث .

أما هنا حيث "الحلقة الخامسة " سنحلق في فضاء سيناء باحثين عن مزيد من المعلومات المتعلقة بسيناء وأحداثها الحالية والتاريخية من واقع يتعايش مع الخطر الحقيقي الذي يعصف بالمنطقة وأبناءها ودول الجوار المحيطة بها حيث احتلت سيناء مكانة متميزة لأسباب دينية وتاريخية ، كما تعرضت لحروب مستمرة تجاوزت تأثيراتها الحدود الإقليمية إلى العالمية ، وحاول الاستعمار طمس معالم سيناء حيث لعب دوراً في تعتيم هوية سكانها والتشكيك في إنتماءهم العربي ، لكن التراث المتمثل في الموروث الشعبي استطاع أن يقف في وجه تلك المتغيرات المحدثة , ذات المصالح المختلفة , فمع بداية القرن التاسع عشر أصبحت سيناء محط أنظار الدوائر الإستعمارية ، وقد يكون الاستعمار حقق ما يريد من نجاح في مخطط عزل سيناء أرضاً وبشراً لفترة وجيزة من الزمن .

وهناك محاولات صهيونية حدثت في العام 1908م , سبقتها محاولات أخرى أهمها مشروع العريش الذي تبناه تيودور هرتزل عام 1903م عقب مجيئه إلى القاهرة في مطلع القرن التاسع عشر ، بعد أن أصدر عام 1895م كتابه "الدولة اليهودية" حيث طالب أثرياء اليهود في مصر بمساعدته للحصول على موافقة الخديوي عباس حلمي الثاني (1892م – 1914م ) على منح سيناء وطنا قوميا لليهود.

وجاء الإحتلال الاسرائيلي عام 1967م، وما تبعه من مخططات مثل فكرة تدويل سيناء وغيرهـا ، إلا أن البــدو قد أفشلوا هذا المخطط المعروف "بمؤتمرالحسنه" ، كما أفشلوا الكثير من المخططات العسكرية بعد ذلك .

وبعد صدمة مخابرات الاحتلال الإسرائيلي ، وفشل تمرير فكرة تدويل سيناء أشار رجال المخابرات وخبراء الموساد على حكومتهم بأن أفضل وسيلة لترويض البدو هو التعرف عن كثب على أسلوب تفكيرهم , ونواحي فلسفتهم ومثلهم الأخلاقية والاجتماعية ، لذا دفع الموساد بمجموعة من الباحثين الأجانب والإسرائيلين عام 1970م لجمع وتدوين تراث بدو سيناء إلا أن حرب رمضان (أكتوبر 1973م) قد خيبت آمال الصهاينة في إغتصاب الأرض وتذويب الشعب وسرقة التراث .

قد تكون الصحراء العربية المكان الوحيد التي مازالت ترفض الاعتراف بالحدود المرسومه بين الأقطار العربية، فالبدوي ساكن هذه الصحراء هو المواطن العربي الذي يعتز بأن جغرافيته الوحيدة هي الصحراء المفتوحة، والبدو في كل مكان هم أشقاؤه الحقيقيون، لذا يجدر القول أن بدو سيناء المصرية في تعلُّقهم بأشقائهم في كافة الصحاري العربية هم التجسيد الحي لهذه الحالة ، وقد ساعدهم على ذلك تاريخية المنطقة إلى جانب مناهضتهم للإستعمار.

البدوي بطبعه قريب إلى الطبيعة فهو صديقها الحميم ، لذا تجده يتجاهل الحدود المفروضة ويعترف بالصحراء فقط ، تلك التي يحافظ على عذريتها من التقسيم والاختراق ، والتمرد أحياناً على عولمة الصحراء إبتداءاً بالحدود ، ومروراً بالإستثمارات السياحية التي تخدش حياء البادية ، وتخالف معتقداته ، وتناهض التركيبة العقدية في المنظومة البيئية التي يعتبر البدوي جزءاً لا يتجزء منها ، وإنتهاءاً بما آل إليه الوضع الآن في المنطقة ، ولا شك فإن العاقل يدرك تزايد تلك الخطورة إن لم يحاول ترميم عصبها ووقف نزيفها ، فالبادية إمتداد طبيعي من خلال القبائل التي ينتشر أبناءها على الأراضي العربية من المحيط الى الخليج ، وهذا يعني أن كل قبيلة موجودة في سيناء لها أصولها الممتدة من أقصى الجزيرة العربية . وإن إختلفت الجنسيات بعد التقسيمات الإستعمارية ممثلة في إتفاقية "سايس بيكو" التي فرضت الحدود الجغرافية بين الدول العربية .

تداخل الأرض العربية يجعل من الاستحالة بمكان فصل الإنسان العربي عن أخيه في أي بقعة على امتداد الوطن الكبير، وذلك على الرغم من التقسيمات والاختلافات بين أنظمة الحكم في هذا البلد أو ذاك، البدو العرب شعارٌ للتداخل والتمازج وعنوانٌ من عناوين رفض الحواجز بين أبناء الأمة الواحدة مهما ارتفعت الأسوار وتعددت الحواجز التي لا يرونها أكثر من مجرد حواجز وهمية لا تُغيِّر شيئاً من واقع الحال.

هذا الاعتزاز من جانب البدوي بتقاليده وأعرافه القبلية القديمة حدَّ من بطش يد التغيير وقدرتها الخفية على التحديث، وعلى الرغم من أن تلك اليد قد طالت الكثير من مظاهر الحياة في سيناء المصرية وتحول الكثير من بواديها وواحاتها إلى مناطق جذب سياحي إلا أن أبناء القبائل العربية من سكان سيناء مازالوا يعتمدون في إدارة شؤونهم الداخلية على القضاء العرفي الذي مازال قادراً على حل كثير من المشاكل التي قد تنشب بين أبناء البادية، وبالتالي تفادي وصول المشكلة إلى السلطات الحكومية أو ساحات المحاكم.

وتبقى سيناء المصرية شأنها شأن بقية مدن ومحافظات مصر شاهدةً على تنوع مصادر الثقافة المصرية وسط قبولٍ عام لخصوصية كل إقليم على حدة وهو ما يؤكد فكرة التنوع في إطار الوحدة، ولعل خصوصية سيناء تتمثل في أن ساكنها البدوي العاشق لحريته وميله للتنقل والترحال هو أول من يتشبث بأرضه ويدافع عن بوابة مصر الشرقية.

بين الرغبة قي قطف ثمار المدنية الحديثة والحرص على الحفاظ على الموروثات الاجتماعية لأهل البادية يقف أبناء القبائل العربية في سيناء غير معترفين بالحدود السياسية التي تفصلهم عن أبناء عمومتهم توَّاقين لِلَم الشمل وممسكين بتلابيب الانتماء العربي , رغم مايعصف بالمنطقة من فوضى تلك التي لاتساعد على أن يستتب الأمن في سيناء خصوصاً باديتها وسكانها ، إذ هم قوم يعتزون بإنتماءهم البدوي فتجدهم يحافظون على أن تستمر حياة البداوة وينعشونها كلما طالبت رئاتهم أكسجين الصحراء ... فكل قبيلة من قبائل البادية جزء مستقل في جسد الصحراء ، بل الكلُّ دولة مستقلة بذاتها ، وهذا ما يدعوهم والكلام عن قبائل سيناء للتحالف المحمود حفظاً للسلام ، كما يمجد عملهم الجماعي التلاحمي ، ويعزز الرابطة فيما بين بعضهم البعض .

سيناء جزء من أقطار عربية التي قسمها الإستعمار ، يعيش فيها الإنسان على الفطرة وكأنه يعيش البيئة الحقيقية لأنبياء الله إبراهيم وموسى عليهما السلام , فتلك البلاد تتجلى فيها الطبيعة بأبهى مظاهرها ، ورغم هذا فإن أبناء النيل قلما يزورون قلب سيناء ، لذا تجدهم يجهلون الكثير عن صحراءها وسكانها وتاريخها وجغرافيتها وموقعها الإستراتيجي ، مع أن المستشرقين والغربيين يدخلونها أفواجا بقصد السياحة والصيد والنزهة وهذا هو الظاهر المزيف لنواياهم ، أما الباطن الذي إكتشفه السينائي فهو زيارة المناطق الأثرية في حملات تنكرية ، وربما الأديرة والمساجد والجبال والبحث عن المعادن النفيسة والتنقيب عن الآثار فيها.

ونضم رأينا الى رأي بعض المؤرخين أولئك الذين يعتبرون أن منطقة الشام التي تضم سوريا وفلسطين والأردن ولبنان كتلة سياسية وجغرافية واحدة يطلق عليها اسم بلاد الشام ، أما شبه جزيرة سيناء هي تلك المنطقة الصحراوية التي تقطنها عرب سيناء في البادية التي تصل القطر المصري بقطري بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية ، كما أن منطقة رفح على الحدود الشمالية الشرقية لمصر هي الحد بين مصر وبلاد الشام .

إذ شدد خبراء أمنيون على أن تفجيرات شرم الشيخ تحمل رسالة مركزية مفادها أن الجماعات المسلحة التي ظلت لفترة طويلة في موقف الدفاع ، انتقلت إلى الهجوم، وأنها باتت تملك زمام المبادرة عبر أذرعها الممتدة عبر مختلف قارات العالم ، وهو ما تمثل في سلسلة الهجمات التي ضربت العاصمة البريطانية لندن، وقبلها تفجيرات مدريد، وبعدها تفجيرات طابا وشرم الشيخ، فضلا عن التواجد الواسع والقوي لتلك الجماعات في العراق.

قوات الأمن تعلم جيداً أن سيناء بها من الدروب والجبال والمسالك الكثيرة وانها لسنوات طوال نظمت علاقتها مع بدو سيناء بالاتفاق مع زعماء القبائل الذين يزرعون ويهربون المخدرات جهارا نهارا بمراعاة مصالح ضمنية وجزئية من الحكومة التي إن كانت تجهل ذلك فهي الكارثة وإن كانت تعلم فالكارثة أجل وأعظم .

يبدو أن عصر الفضائيات قد وصل الى بدو سيناء فخرج بعض شباب البدو عن طوع شيوخ القبائل ويبدو أيضا أن بعضهم طاله تأثير الجماعات المتطرفة فقرر أن يدخل فى معركة ضد السياح الأجانب والإسرائيليين فى طابا وشرم الشيخ , الأسلحة في سيناء متوفرة ، والتدريب عليها مُيسّر بمقابل مادي أو تبادل في السلاح ، وعندما حدث خلل في عملية التوازن القطبي بين البدو والحكومة ، خرجت الشرطة بعلياء سلطتها وقررت أن تنتقم إنتقاماً جماعياً من سكان سيناء، وهنا كانت الطامة الكبرى ، فتحول الأمر برمته الى ثأر بينهم وبين الشرطة فانقضوا على شرم الشيخ فى عملية ثأرية كجزء من سلسلة العمليات الثأرية التي أراقت الدماء لنصف الدائرة وسجنت الألاف من أبناء سيناء في النصف الأخر من الدائرة ، وما زالت الأحداث تدور والدائرة تتسع والخطورة تتمدد ولا تعرف الضمور. 

الخلاصة التي يمكن الخروج بها من مجموع هذه الآراء أنه قد صار هناك نمط واضح لعمليات "القاعدة"، ورؤية إستراتيجية لتحركاتها إلى جانب التطور التكتيكي -وليس الإستراتيجي- لتعظيم فرص نجاحها وتقليل خسائرها قدر الإمكان, وهذا النمط ربما سيمكن السياسيين والباحثين بالتنبؤ بالعمليات "القاعدية" القادمة .  وقد نكون بحاجة الى المزيد لنعرف إجابة سؤال مازال ماثل أمامنا : الإرهاب في سيناء هل هو بداية أم نهاية ؟ .


مصطفى بن محمد غريب 
صحيفة إيلاف اللإلكترونية 23-09-2005م


الدولة ومرحلية النضال

الدولة ومرحلية النضال


الدولة ومرحلية النضال

تتكون الدولة من أرض وشعب وحكومة وعليه لاتوجد دولة دون أرض وهي أساس الخلاف بين إسرائيل وفلسطين فماهي مساحة الأرض التي يجب أن تعترف بها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ويقبل بها الطرف الفلسطيني والعربي لتقام عليها الدولة الفلسطينية المستقلة أما الشعب الفلسطيني الذي يناضل من أجل نيل حقوقه المشروعة وتقرير المصير فهو الأهم في معادلة الدولة وهو المستفيد من قيامها , وهنا نستخلص أن لا قيمة للأرض إذا لم تحظى بإعتراف دولي وهذا مايجب أن تفهمه القوى التي تتمسك بكامل الأرض على حساب قيام الدولة .   

وإذا إستعرضنا مسيرة النضال الفلسطيني في عجالة قصيرة إبتداء من قرار التقسيم رقم 181 في 29 نوفمبر 1947، عندما قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالموافقة على قرار تقسيم فلسطين لإنهاء النزاع العربي/اليهودي على أرض فلسطين الرازحة تحت الإنتداب البريطاني , وقضى القرار إلى تأسيس دولة عربية وأخرى يهودية على تراب فلسطين ، وأن تقع مدينة القدس تحت الوصاية الدولية.

وثارت ثائرة العرب وأصروا على تحرير فلسطين بالكامل من النهر الى البحر في الوقت الذي إغتنم فيه اليهود الفرصة وأنشأوا دولتهم ورقصوا فرحاً في مستوطناتهم لأن هذا القرار أسس لهم دولة وأعطاها غطاء الشرعية الدولية بعد الصراع الذي خاضوه ضد الشعب الفلسطيني بتأييد من سلطات الانتداب البريطاني التي كانت تقوم بمهمة تنفيذ وعد بلفور بمنح اليهود وطنا قوميا في فلسطين.

وحدثت تطورات هائلة وجرت الرياح بعكس ما تمناه الفلسطينيون وما تعهد الاشقاء العرب القيام به من أجل تحرير فلسطين وإحباط المشاريع اليهودية المعلنة ولم يتصفوا بالواقعية السياسية وإنما كانت تأخذهم العاطفة دون وعي بمستقبل فلسطين والغريب في الأمر أنه وبعد مرور تسع وخمسون عاماً نجد أن هناك من يتصف بالجمود العقلي نفسه وعلى نفس النمط من الأخطاء السابقة القاتلة سواء كانت عربية أم فلسطينية .

وبعد صدور القرار الأممي إنسحبت بريطانيا من فلسطين وسلمت معسكراتها وقواعدها العسكرية لليهود الذين اعلنوا على الفور يوم 15 ايار 1948 قيام اسرائيل ولم يكتف زعماء اسرائيل بالحدود التي نص عليها قرار التقسيم بل توسعوا حتى إحتلوا معظم أراضي فلسطين وذلك خلال الحرب العربية - الاسرائيلية الاولى التي إنتهت بنكبة فلسطين  وتشريد ثلاثة أرباع مليون فلسطيني بعيداً عن بيوتهم ومدنهم وقراهم .

وفي العام 1967 إستكملت إسرائيل إحتلالها لأراضي فلسطين التاريخية وبعض الأراضي العربية الأخرى وخيم الاحتلال العسكري الاستيطاني على الضفة والقطاع وبدأت مصادرات الاراضي واقامة المستوطنات وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية والانسانية وما تزال الممارسات الاسرائيلية التعسفية مستمرة على مقدرات الشعب الفلسطيني وموارده بالرغم من النداءات الصادرة عن الاسرة الدولية التي تطالب اسرائيل بوضع حد لهذه السياسة المتناقضة مع مرجعيات الشرعية الدولية ومواثيق حقوق الانسان والقيم الحضارية والاخلاقية السائدة في هذا العصر.

وفي العام 1973م بدأت إسرائيل تنحسر بعد إنكسارها في الحرب وعبور القوات المصرية قناة السويس وبعدها إستطاع الرئيس محمد أنور السادات أن يحقق طموحات شعب مصر في إستعادة أراضيها المحتلة بالسلام والمفاوضات ولكن الإصرار العربي مايزال يضيع على الفلسطينيين الفرص , وعادت مصر إلى الصف العربي ولم ينال الفلسطينيين من توافقهم مع إخوانهم العرب غير المزيد من الذل والهوان وبقاء المخيمات على حالها واللاجئين مازالوا ممنوعين من أبسط حقوقهم المدنية والإنسانية .

وفي العام 1991م عقد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط من أجل إنجاح الجهود الرامية إلى إحلال السلام في المنطقة ، وعقد برعاية واشنطن وموسكو ووضع إطار لعملية السلام وإعتمد مبدأ "الأرض مقابل السلام" ومهد الطريق لمفاوضات أوسلو حول الحكم الذاتي الفلسطيني لتقوم في نهاية المطاف دولة فلسطينية مستقلة .

وفي العام 1993م بدأت محادثات أوسلو وتم التوقيع على سبع إتفاقيات ولكن بعض الأطراف تحاول جاهدة لإفشال تلك الإتفاقيات والتلويح بشعارات ومشاريع للتسوية المرفوضة على غرار رفض قرار التقسيم الذي إستفادت منه إسرائيل وخسر العرب والفلسطينيين جراء تعنتهم حالمين بتحرير فلسطين من النهر الى البحر ولم يستوعبوا المتغيرات المختلفة التي تتحكم بتحقيق الأهداف بصورة واقعية وعملية .

وفي العام 2002 عقدت القمة العربية في بيروت وأقرت "المبادرة العربية" وبدأت تبرز مشكلات أمام تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل وإنطلقت مبادرة خارطة الطريق بمراحلها المختلفة , وهناك مبادرات أخرى تسعى العديد من الدول والشخصيات العالمية لإطلاقها من أجل إيجاد حلول للصراع العربي الإسرائيلي ومن هنا إنطلق الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بإعلان رؤيته لقيام دولة فلسطينية تعيش جنباً الى جنب بجوار الدولة اليهودية .

وكان الرفض الدائم والمستمر عقبة في وجه مفاوضات السلام وقيام الدولة المستقلة وبعد تجارب المفاوضات مع إسرائيل إقتنعت السلطة الوطنية الفلسطينية التي كانت إحدى نتائج أوسلو بأن الإتفاقيات مع إسرائيل يجب أن تكون دائمة وبحدود معترف بها وإن تم الإنسحاب على مراحل .

وتتذرع إسرائيل بين الحين والآخر بموضوع الإعتراف بها ولكن هذا الإعتراف يواجه عقبات فهل الإعتراف بإسرائيل طبقاً لقرار التقسيم الأممي رقم 181 لعام 1947م وبالمساحة التي أقرها القرار ؟ , أم تريد إسرائيل إعترافاً جديداً لحدود عام 1967م وقرار مجلس الأمن رقم 242 الشهير بالإختلاف على تفسيره .

وقضية الإعتراف بإسرئيل قضية معقدة للغاية بسبب التوسع المستمر لهذه الدولة التي تحاول أن تخلق تحديات جديدة على الأرض ببناء المزيد من المستعمرات وجلب المستوطنيين للسكن فيها وهي عملية لن تنتهي إلا بإتفاق ملزم ينهي كل مظاهر البناء والتشييد والتوسع ويبدوا أن بناء الجدار العازل الذي يحاربه الفلسطينيين والعرب هو الحدود الفاصلة التي ترغب إسرائيل بالتوقف عندها على الأقل في هذه المرحلة الحاسمة .

ومما تقدم نجد أن إسرائيل كدولة لاتوجد لها حدود ثابتة ودائمة وهي من الأخطاء التي إرتكبتها الأمم المتحدة عندما إعترفت بإسرائيل كدولة ضمن منظومة الأمم المتحدة بدون حدود ثابتة وهي بذلك تعطي الحق لإسرائيل أن تتوسع الى أن يتم رسم الحدود الثابتة التي لم تحددها إسرائيل ولا الأمم المتحدة ولا الأطراف العربية .

أما الشعب الفلسطيني الذي يسعى ويناضل من أجل قيام دولة فلسطينية تعترف بها الأمم المتحدة والعالم أجمع يجد نفسه في وضع صعب , فهل الإعتراف بفلسطين الدولة قبل معرفة حدودها الجغرافية ومساحتها ودستورها وطريقة الحكم فيها ؟ , إن إسرائيل حتى الآن لم تعترف بفلسطين كدولة وإنما إعترفت بها كسلطة وطنية وحكم ذاتي وإعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والتي تحاول بعض الأطراف الفلسطينية والعربية والغربية شطبها .

وبين الحين والآخر تسحب إسرائيل إعترافها بالمنظمة وتطالب الحكومة المنتخبة برئاسة حركة حماس أن تعترف بإسرائيل وهنا نتساءل كيف تعترف بها إذا لم تحدد مساحتها الجغرافية أو يتم الإتفاق عليها ؟ , ونتساءل أيضاً هل إعترفت إسرائيل بالشعب الفلسطيني وإعترفت بمسؤوليتها التاريخية عن تشريد هذا الشعب ؟ وهو مالا ترغب إسرائيل القيام به , ولكن ماهو موقف المجتمع الدولي من قضية الإعتراف والضغط على إسرائيل ؟ , وماهو موقف الرباعية الدولية من مسألة الإعتراف ؟ , وهل هناك إعتراف متبادل ومتزامن وفق إتفاقية أو مبادرة ؟ .

وعودة لشروط الرباعية الدولية ماهي حدود إسرائيل المراد الإعتراف بها ؟ وكيف يمكن الإعتراف بإسرائيل كدولة بدون حدود نهائية ؟ .

ونأتي على الشرط الثاني وهو نبذ العنف والإرهاب وهنا نتساءل هل هناك إتفاق دولي على معنى العنف والإرهاب ؟ ولماذا لا يتم الإعتراف بشرعية المقاومة ضد الإحتلال ؟ ولماذا لاينبذ العالم أجمع العنف وإرهاب الدولة المنظم التي تقوم به إسرائيل ضد قيادات الشعب الفلسطيني والأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء ؟ .

أما الشرط الثالث من شروط الرباعية الدولية وهو إحترام الإتفاقيات الموقعة وهنا نتساءل من هم الأطراف الموقعة على هذه الإتفاقيات ؟ وهل حماس طرف في هذه الإتفاقيات حتى تعترف بها ؟ , وهل أعترف بحماس أصلاً كمنظمة تناضل من أجل نيل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ؟ , بل وضعت على القائمة السوداء للمنظمات الإرهابية , ونتساءل أيضاً هل تحترم إسرائيل تلك الإتفاقيات ؟ , وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تمتنع إسرائيل من دفع الأموال المحتجزة لديها لصالح السلطة الوطنية الفلسطينية ؟ .

وتحاول إسرائيل وغيرها من الدول فرض الحصار على الشعب الفلسطيني وتمتنع أيضاً عن الإلتزام بتعهداتها وفقاً لإتفاقيات أوسلو التي تحاول إفراغها من محتواها وكل يوم نرى التدخلات العسكرية في كل المناطق التي إنسحبت منها بحجج واهية وتقوم بإغلاق المعابر التي تعتبر المتنفس الوحيد للشعب الفلسطيني الذي يعيش الحصار والإحتلال ولامجال هنا لتعداد مايجب على إسرائيل القيام به وفقاً للإتفاقيات المبرمة مع الجانب الفلسطيني وحتى الدولي سواء كانت في إتفاقيات أوسلو أو في غيرها .

والدرس الذي لا بد الإستفادة منه بعد كل ماتقدم هو أن التشبث بالأرض دون التمسك بالدولة ومحاولة إنجاز ما يتعارض مع الإمكانات ويتخطى خطوط الواقع يمثل نهجا كارثياً في المنطق السياسي العقلاني , ذلك المنطق الذي يتحرك انطلاقا مما هو ممكن وفقاً للمتغيرات الدولية ويستثمر معطيات الواقع للوصول الى مراحل متقدمة من الثوابت الإستراتيجية , والآن لا بد من الإعتراف بالأخطاء السابقة حتى لاتتكرر في المستقبل لأن التمسك بقيام الدولة أهم من التشبث بالأرض وتحريرها دون إعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة .

فقرار التقسيم كان خطأ تاريخياً فادحا يتحمل العرب بمن فيهم الفلسطينيون جزءاً كبيراً من المسؤولية عنه لأن ما هو معروض عليهم حاليا أقل بكثير مما أعطاهم إياه قرار التقسيم: فما هو برسم التفاوض حالياً يتعلق بنسبة معينة من اصل 22% من أرض فلسطين التاريخية في الوقت الذي عرض قرار التقسيم عليهم 47% من أرض فلسطين عدا عن مشاركتهم في إدارة القدس ضمن سلطتها الدولية.

وإذا كانت الثوابت مقدسة فان السؤال الذي يطرح نفسه هو ماهي هذه الثوابت في ظل الانحياز الدولي لاسرائيل ؟ , والمهم الآن أن يستمر التحرك الفلسطيني والعربي نحو انجاز هذه الثوابت دون توقف لأن العراقيل والرفض المتواصل للطروحات الدولية لا تعمل لصالح القضية الفلسطينية التي يكاد العالم ينساها أو يشعر بالملل إزاءها والفلسطينيون بحاجة الى دفع عملية السلام الى الأمام بعد التراجعات المتلاحقة لقضيتهم منذ قرار التقسيم وحتى  الآن .

ولايزال حق العودة لايفارق الفلسطينيين وأبناءهم وأحفادهم حتى يومنا هذا والأمر يحتاج الى عمل جاد حتى يتم تخفيض سقف المطالب الإسرائيلية التي لا تنتهي وكان آخرها طلب وزيرة الخارجية الاسرائيلية " تسيبي ليفني" من القمة العربية المقرر عقدها في الرياض في الفترة من 27-29 آذار مارس 2007م ، إعادة النظر في المبادرة العربية لكي تصير أكثر ملاءمة لاسرائيل ومواقفها من أجل حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وقيام الدولة الفلسطينية مستقبلاً .

مصطفى بن محمد غريب
شيكاغو - الينوي